فقدت الساحة الفنية السورية والعربية اليوم (الأحد) قامة فنية بارزة برحيل الفنان القدير أحمد مللي عن عمر يناهز الثمانين عامًا، إثر أزمة صحية مفاجئة ألمت به. وقد نُقل الراحل إلى المشفى الوطني بدمشق، حيث تدهورت حالته الصحية بشكل حرج في الساعات الأخيرة قبل أن يفارق الحياة، تاركًا خلفه إرثًا فنيًا غنيًا وبصمة لا تُمحى في قلوب محبيه.
وأكدت مصادر إعلامية سورية أن الفنان مللي دخل إلى غرفة العناية المركزة بعد تدهور مفاجئ في حالته الصحية، وهو ما يشير إلى سرعة الأحداث التي أدت إلى وفاته. وحتى اللحظة، لم تصدر أسرة الفنان أي بيانات رسمية تتعلق بموعد تشييع الجثمان أو تفاصيل مراسم الصلاة والعزاء، ومن المتوقع الإعلان عنها في وقت لاحق.
أحمد مللي: رائد من رواد الدراما السورية
يُعد أحمد مللي واحدًا من جيل الرواد الذين ساهموا في بناء صرح الدراما والسينما السورية، التي لطالما عُرفت بجودتها وعمقها وتأثيرها الكبير على المشهد الفني العربي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، شهدت سوريا نهضة فنية حقيقية، أفرزت أسماء لامعة تركت بصماتها في كل بيت عربي. وقد كان مللي جزءًا أصيلًا من هذه الحركة، حيث انخرط في العمل المسرحي والتلفزيوني والسينمائي، مقدمًا أدوارًا متنوعة عكست قدرته الفائقة على التجسيد والتقمص. هذه الفترة الذهبية للفن السوري شكلت أساسًا متينًا لجيل تلو جيل من الممثلين والمخرجين والكتاب، وأحمد مللي كان شاهدًا ومشاركًا فاعلًا في صياغة جزء كبير من هذا التاريخ الفني المجيد.
مسيرة فنية حافلة بالعطاء والإبداع
وُلد الفنان أحمد مللي في دمشق عام 1949، وهو من أصول كردية، مما أضاف بعدًا ثقافيًا غنيًا لشخصيته الفنية. بدأ مشواره الفني في سبعينيات القرن الماضي، متنقلًا ببراعة بين خشبة المسرح وشاشة التلفزيون وواجهة السينما. لم يقتصر حضوره على نوع فني واحد، بل أثرى كل مجال دخله بأدائه المميز. من أبرز أعماله التي رسخت مكانته في الذاكرة الجمعية مسلسل «حكم العدالة»، الذي كان له صدى واسع، بالإضافة إلى مشاركته اللافتة في الفيلم السينمائي «الحدود» إلى جانب النجم الكبير دريد لحام، والذي يُعد علامة فارقة في مسيرته السينمائية. كما ترك بصمته في عدد كبير من المسلسلات التلفزيونية التي لا تزال عالقة في أذهان الجمهور، مثل «حارة نسيها الزمن»، «المحكوم» الذي ارتبط اسمه به، «البركان»، «الظل والنور»، «في مهب الريح»، «الجمر والجمار»، و«حد الهاوية». وفي السينما، تألق في أفلام مهمة مثل «قتل عن طريق التسلسل»، و«العشاق» من إخراج المخرج الراحل حاتم علي، مما يؤكد تنوع موهبته وعمقها.
تأثير رحيل قامة فنية على المشهد الثقافي
إن رحيل فنان بحجم أحمد مللي لا يمثل خسارة شخصية لأسرته ومحبيه فحسب، بل هو فاجعة للوسط الفني السوري والعربي ككل. على الصعيد المحلي، يفقد الفن السوري أحد أعمدته، ورمزًا من رموز الأصالة والالتزام الفني. لقد كان مللي مصدر إلهام لجيل من الفنانين الشباب، ومثالًا للتفاني والإخلاص في العمل. أما على الصعيد الإقليمي، فإن أعماله التي عُرضت في مختلف الدول العربية، ساهمت في تشكيل الوعي الفني والثقافي لقطاعات واسعة من الجمهور، مما يجعل وفاته خسارة للذاكرة الفنية العربية المشتركة. في ظل التحديات الراهنة التي يواجهها الفن السوري، يزداد وقع رحيل الكبار، فهو يذكرنا بأهمية الحفاظ على هذا الإرث الفني العظيم وتوثيقه للأجيال القادمة. ستبقى أعمال أحمد مللي خالدة، شاهدة على موهبة فذة وعطاء لا ينضب، ومصدر إلهام لكل من يؤمن بقوة الفن في تشكيل الوجدان الإنساني.


