spot_img

ذات صلة

سوريا: تحذير من الدفاع لقسد واتفاقات الحسكة وداعش

دمشق، سوريا – في تطورات متسارعة تعكس تعقيدات المشهد السوري، وجهت وزارة الدفاع السورية تحذيراً شديد اللهجة إلى قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، محذرة إياها من مغبة أي استهداف للجيش السوري أو قوات الأمن الداخلي. يأتي هذا التحذير في توقيت حرج، بالتزامن مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في مناطق شمال شرق سوريا، مؤكدة أن أي خرق للهدنة المعلنة ستكون له تبعات خطيرة قد تهدد الاستقرار الهش في المنطقة.

تأتي هذه التطورات في سياق أوسع للصراع السوري الذي اندلع عام 2011، والذي شهد بروز قوى متعددة، من بينها قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تشكل الوحدات الكردية (YPG) عمودها الفقري. لطالما كانت هذه القوات حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم داعش الإرهابي، وسيطرت على مساحات واسعة من شمال وشرق سوريا الغنية بالنفط والموارد الزراعية. العلاقة بين الحكومة السورية وقسد اتسمت بالتوتر والتعاون المتقطع، حيث تسعى دمشق لاستعادة سيطرتها الكاملة على جميع الأراضي السورية، بينما تطالب قسد بنوع من الحكم الذاتي للمناطق التي تسيطر عليها.

نداء للمكون الكردي وإقرار بالظلم التاريخي

في رسالة مصوّرة ذات دلالات عميقة، وجه العميد حسن عبد الغني، المتحدث باسم وزارة الدفاع، نداءً مباشراً إلى «أهلنا الكرد في سورية»، مؤكداً على أنهم «جزء أصيل لا يتجزأ من الشعب السوري». شدد عبد الغني على التزام الدولة السورية بحماية الكرد وصون كرامتهم وممتلكاتهم، وضمان عيشهم بعزة وكرامة في وطنهم الموحد. هذا الخطاب يمثل محاولة لمد جسور الثقة مع المكون الكردي الذي عانى تاريخياً من سياسات التهميش والإقصاء في سوريا، بما في ذلك حرمان الآلاف من الجنسية وقمع الهوية الثقافية.

ولم يتردد المتحدث باسم الوزارة في الإقرار بأن الكرد قد تعرّضوا على مدى عقود لـ«ظلم كبير وسياسات إقصاء ممنهجة» طالت حقوقهم وهويتهم. واعتبر أن المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع مؤخراً يشكّل محطة مفصلية في مسار بناء «سورية الجديدة» التي تتسع لجميع أبنائها دون تمييز أو إقصاء. هذا الإقرار الرسمي بالظلم التاريخي قد يمهد الطريق لمصالحة أوسع ويفتح آفاقاً لحل سياسي يراعي خصوصية المكونات السورية المختلفة ضمن إطار الدولة الموحدة.

التزام بالتفاهمات ومواجهة داعش كأولوية

أكد المتحدث باسم وزارة الدفاع أن دمشق ماضية في تنفيذ التفاهمات الأخيرة مع «قسد» بشأن مستقبل محافظة الحسكة، بروح من المسؤولية الوطنية والحرص على حقن الدماء، وصولاً إلى حل سلمي يحفظ وحدة البلاد ويعزز أمنها واستقرارها. هذه التفاهمات، التي غالباً ما تتم بوساطة روسية، تهدف إلى إعادة ترتيب الأوضاع الإدارية والأمنية في المنطقة، وتقليل الاحتكاك بين القوات المتنافسة.

وفي سياق متصل، ذكر العميد عبد الغني بأن الدولة السورية لا تزال في مواجهة مباشرة مع تنظيم داعش الإرهابي، مشيراً إلى استعدادها الكامل لتسلّم سجون التنظيم في المنطقة وتسليمها لوزارة الداخلية. هذه الخطوة حيوية للغاية في إطار توحيد الجهود الأمنية ومكافحة الإرهاب، خاصة وأن سجون داعش في شمال شرق سوريا تضم آلاف المقاتلين وعائلاتهم، وتشكل قنبلة موقوتة تهدد الأمن الإقليمي والدولي. إن التعاون في هذا الملف يعكس إدراكاً مشتركاً لخطورة التنظيم، رغم الخلافات السياسية.

تأثيرات محتملة على المشهد السوري والإقليمي

إن التوصل إلى اتفاقات لوقف إطلاق النار والبدء في حوار حول مستقبل الحسكة وملف داعش يحمل أهمية كبرى على الصعيد المحلي والإقليمي. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى تخفيف حدة التوتر، وفتح الباب أمام عودة الخدمات الحكومية، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين. إقليمياً، قد يؤثر على ديناميكيات القوى في المنطقة، خاصة مع تركيا التي تعتبر الوحدات الكردية تهديداً لأمنها القومي، وعلى دور الولايات المتحدة وروسيا في سوريا. كما أن حل ملف سجون داعش يعد خطوة أساسية لمنع أي عودة محتملة للتنظيم الإرهابي، مما يعزز الأمن ليس فقط في سوريا بل في المنطقة والعالم.

تقدم ميداني وهدوء حذر

ميدانياً، واصل الجيش السوري، اليوم (الأربعاء)، تقدمه في مناطق عدة شمال شرقي سورية كانت خاضعة لسيطرة قوات «قسد»، حيث أظهرت مقاطع مصوّرة سيطرته على منفذ اليعربية الحدودي مع العراق، وهو معبر استراتيجي يربط سوريا بالعراق ويعد شرياناً حيوياً للمنطقة. وتداول ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي فيديوهات توثق وصول قوات الجيش فجراً إلى قرى تل المغر، وأبو كبرة، والحزومية في جبل عبد العزيز بريف الحسكة الجنوبي، إضافة إلى إحكام السيطرة على منفذ اليعربية في محافظة الحسكة.

وتشهد منطقة شمال شرق سورية، صباح اليوم، هدوءاً حذراً عقب أيام من الاشتباكات العنيفة بين القوات الحكومية وقوات «قسد»، في ظل سريان وقف إطلاق النار والتوصل إلى اتفاق مبدئي لإعادة ترتيب السيطرة والإدارة. هذا الهدوء يمثل فرصة لالتقاط الأنفاس وتقييم الوضع، ولكنه يظل هدوءاً مشوباً بالحذر في منطقة لطالما كانت مسرحاً للتوترات والصراعات.

اتهامات متبادلة وترتيبات دمج مقاتلين

في المقابل، أعلن المركز الإعلامي التابع لقوات سورية الديمقراطية، مساء الثلاثاء، أن ما وصفها بـ«فصائل دمشق» هاجمت سجن الأقطان شمال الرقة الذي يضم معتقلي داعش، كما تحدث عن هجمات بالأسلحة الثقيلة استهدفت قرية تل بارود على طريق أبيض – أبيض وبلدة زركان. هذه الاتهامات المتبادلة تسلط الضوء على استمرار حالة عدم الثقة والتحديات التي تواجه أي اتفاقات للتهدئة.

وكانت مصادر عسكرية سورية أفادت بأن القوات الحكومية توغلت، الثلاثاء، بعمق في مناطق سيطرة «قسد» شمال شرقي البلاد، محققة تقدماً سريعاً، وموسّعة نطاق سيطرتها على مساحات واسعة من شمال وشرق سورية كانت خاضعة لقوات يقودها الأكراد وتعد الحليف الأبرز للولايات المتحدة في سورية. وأُعلن، مساء الثلاثاء، وقف إطلاق نار جديد لمدة أربعة أيام، يتضمن ترتيبات تقضي بعدم دخول الجيش السوري مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي والقرى الكردية، مقابل منح مهلة لدمج مقاتلي «قسد» بشكل فردي ضمن صفوف القوات الحكومية. هذه الترتيبات تعكس محاولة لإيجاد حلول وسط تجمع بين استعادة الدولة لسيادتها والحفاظ على بعض مكتسبات القوات الكردية، مع إمكانية دمج مقاتليها في مؤسسات الدولة السورية.

spot_imgspot_img