spot_img

ذات صلة

اتفاق الاندماج بين الحكومة السورية وقسد: بنود وتأثيرات

كشفت قوات سورية الديمقراطية (قسد) مؤخرًا عن تفاصيل اتفاق الاندماج الذي وقعته مع الحكومة السورية، في خطوة قد تعيد تشكيل المشهد السياسي والعسكري في شمال شرق البلاد. هذا الاتفاق، الذي يأتي بعد سنوات من الصراع والتوتر، يهدف إلى توحيد الأراضي السورية وتحقيق دمج كامل في المناطق التي كانت تحت سيطرة قسد، مما يمثل تحولًا كبيرًا في مسار الأزمة السورية المستمرة منذ عام 2011.

تضمن الاتفاق بنودًا رئيسية تتعلق بدمج قوات قسد في الجيش السوري على مراحل متسلسلة، تشمل الجانبين العسكري والإداري. ومن أبرز هذه البنود انسحاب القوات العسكرية من نقاط التماس ودخول قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية السورية إلى مراكز مدينتي الحسكة والقامشلي، وهما من المدن الاستراتيجية في المنطقة. كما نص التفاهم على بدء عملية دمج القوات الكردية في المنطقة، وتشكيل فرقة عسكرية تضم ثلاثة ألوية من قوات سورية الديمقراطية، بالإضافة إلى تشكيل لواء لقوات عين العرب ضمن فرقة تابعة لمحافظة حلب، مما يعكس نية دمشق في استيعاب هذه القوات ضمن هيكلها الرسمي.

ولم يقتصر الاتفاق على الجانب العسكري فحسب، بل امتد ليشمل دمج مؤسسات ما يعرف بـ “الإدارة الذاتية” التي أقامتها قسد في مناطق سيطرتها، ضمن مؤسسات الدولة السورية. وتضمن الاتفاق تثبيت الموظفين المدنيين العاملين في هذه المؤسسات، وهو ما يمثل ضمانة لاستمرارية الخدمات واستقرار الأوضاع المعيشية. كما اتفق الجانبان على تسوية الحقوق المدنية والتربوية للشعب الكردي، وضمان عودة النازحين الأكراد إلى مناطقهم، وهي قضايا حساسة ومحورية طالما كانت مصدر قلق للمجتمع الكردي.

السياق التاريخي والخلفية المعقدة:

لفهم أهمية هذا الاتفاق، يجب العودة إلى السياق الأوسع للأزمة السورية. فمنذ اندلاع الصراع في عام 2011، شهدت سوريا تفككًا في سيطرة الدولة على أجزاء واسعة من أراضيها. وفي خضم هذا الفراغ، برزت قوات سورية الديمقراطية، بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، كقوة رئيسية في محاربة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش). سيطرت قسد على مساحات شاسعة في شمال شرق سوريا، غنية بالموارد النفطية والزراعية، وأقامت نموذجًا للإدارة الذاتية، مما أثار توترات مع الحكومة السورية التي تعتبر هذه المناطق جزءًا لا يتجزأ من سيادتها. كما أن العلاقة بين قسد وتركيا كانت دائمًا متوترة، حيث تعتبر أنقرة بعض مكونات قسد امتدادًا لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية.

شهدت السنوات الماضية محاولات متقطعة للحوار بين دمشق وقسد، غالبًا ما كانت بوساطة روسية، لكنها لم تسفر عن اتفاقات شاملة. الاتفاق الحالي يأتي بعد قرابة عام من اتفاق العاشر من مارس الشهير، الذي تبادلت دمشق وقسد الاتهامات حول المماطلة في تنفيذ بنوده. وفي 18 يناير الحالي، تم تمديد وقف إطلاق النار بين الطرفين حتى الثامن من فبراير، مما مهد الطريق لهذا التفاهم الأوسع. كما بذلت الولايات المتحدة جهودًا دبلوماسية سابقة لإرساء وقف دائم لإطلاق النار والتوصل إلى حل سياسي، لكن دورها تراجع نسبيًا مع تطور الأحداث.

الأهمية والتأثيرات المتوقعة:

يحمل هذا الاتفاق أهمية بالغة على عدة مستويات. محليًا، يمكن أن يمثل خطوة نحو إنهاء الانقسامات الداخلية وتوحيد الجهود لإعادة بناء البلاد، خاصة في المناطق المتضررة من الصراع. عودة مؤسسات الدولة وتوفير الخدمات قد يحسن من الأوضاع المعيشية للسكان. ومع ذلك، قد تثير عملية دمج الإدارة الذاتية مخاوف بشأن فقدان بعض الصلاحيات التي اكتسبتها قسد والمكونات الكردية خلال سنوات الصراع.

إقليميًا، قد يعيد الاتفاق تشكيل التحالفات والتوازنات. فدمج قسد في الجيش السوري قد يقلل من النفوذ الأمريكي في المنطقة ويزيد من نفوذ الحكومة السورية وحلفائها، روسيا وإيران. كما أن تركيا، التي طالما عارضت أي كيان كردي مستقل على حدودها، ستراقب هذا التطور عن كثب، وقد يؤثر على علاقاتها مع دمشق وموسكو. دوليًا، يعكس هذا الاتفاق تعقيدات الأزمة السورية وتعدد اللاعبين فيها، وقد يؤثر على مسار الحل السياسي الشامل الذي ترعاه الأمم المتحدة، مع تزايد الدور الروسي في الوساطة.

شدد مسؤول سوري على أن الاتفاق سيتم تنفيذه فورًا، مما يشير إلى جدية الأطراف في المضي قدمًا. ومع ذلك، فإن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها بناء الثقة بين الأطراف بعد سنوات من العداء، وضمان التنفيذ الكامل للبنود، خاصة فيما يتعلق بالحقوق الكردية وعودة النازحين. يبقى هذا الاتفاق خطوة محورية، لكن الطريق نحو استقرار دائم في سوريا لا يزال طويلًا ومعقدًا.

spot_imgspot_img