دمشق، سوريا – في خطوة تعكس تحولات جيوسياسية وأمنية عميقة في شمال شرق سوريا، أعلنت وزارة الداخلية السورية عن استعادتها الكاملة للسيطرة على سجن الأقطان الاستراتيجي في محافظة الرقة، وذلك بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) منه. يأتي هذا التطور ضمن ترتيبات أوسع تهدف إلى إعادة هيكلة المشهد الأمني والإداري في مناطق كانت تحت سيطرة قسد.
ونقلت وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا) عن وزارة الداخلية تأكيدها تسلم إدارة السجون والإصلاحيات في الوزارة لسجن الأقطان. وقد تم تشكيل فرق متخصصة من إدارة مكافحة الإرهاب والجهات الأمنية الأخرى لتولي مهام حراسة السجن وتأمينه وضبط الحالة الأمنية داخله، مما يؤكد على الأهمية الأمنية القصوى لهذا المرفق.
وأفادت الوزارة أن فرقها الهندسية المختصة قامت بتفكيك عدد كبير من العبوات الناسفة التي زرعتها المجموعات المسلحة التابعة لقسد داخل السجن قبل انسحابها وتسليمه إلى قوات الجيش السوري. هذه العملية تسلط الضوء على التحديات الأمنية الكبيرة التي تواجه القوات السورية في تأمين هذه المنشآت الحساسة.
سجن الأقطان: نقطة محورية في ملف معتقلي داعش
يعد سجن الأقطان ذا أهمية بالغة كونه يضم نزلاء مرتبطين بتنظيم داعش الإرهابي، وهو ما يجعله هدفاً محتملاً لأي محاولات فرار أو زعزعة استقرار. وقد شهد محيط السجن في السابق اشتباكات متقطعة بين قوات الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية، مما يعكس التوترات المستمرة في المنطقة قبل التوصل إلى الترتيبات الأخيرة.
يأتي انسحاب قوات سوريا الديمقراطية من السجن في إطار تفاهمات تم التوصل إليها بين قسد ودمشق خلال الفترة الماضية. وقد جرى نقل عناصر قسد الذين كانوا يتولون حراسة السجن إلى مدينة عين العرب (كوباني) بريف حلب، في خطوة تهدف إلى إعادة تموضع القوات وتوزيع الأدوار الأمنية.
السياق التاريخي والجيوسياسي: الرقة وملف داعش
لاستيعاب أهمية هذا التطور، يجب النظر إلى السياق الأوسع للأزمة السورية. كانت الرقة، التي يقع فيها سجن الأقطان، عاصمة فعلية لتنظيم داعش الإرهابي قبل تحريرها في عام 2017 على يد قوات سوريا الديمقراطية بدعم من التحالف الدولي. منذ ذلك الحين، ظلت إدارة المناطق المحررة من داعش، وخاصة ملف الآلاف من مقاتلي التنظيم وعائلاتهم المحتجزين في السجون والمخيمات، تحدياً هائلاً لقسد والمجتمع الدولي.
ملف معتقلي داعش يمثل قنبلة موقوتة، حيث يُحتجز آلاف المشتبه بانتمائهم للجماعات المتطرفة وعائلاتهم، وبينهم أجانب، في سجون ومخيمات تديرها قوات سوريا الديمقراطية في شمال شرق سوريا منذ هزيمة التنظيم عام 2019. هذه السجون والمخيمات، مثل مخيم الهول ومخيم روج، تعاني من ظروف إنسانية صعبة وتحديات أمنية مستمرة، وتشكل بؤرة محتملة لتجدد نشاط التنظيم.
اتفاق 18 يناير: نحو دمج القوات وتوزيع المسؤوليات
وفي سياق هذه التطورات، أشارت تقارير إلى التوصل لاتفاق بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، تم الإعلان عنه في 18 يناير، ويشمل وقفاً لإطلاق النار ودمج القوات الكردية ضمن مؤسسات الدولة، مع تولي الأخيرة مسؤولية سجناء تنظيم داعش. هذا الاتفاق يمثل نقطة تحول محتملة في العلاقة بين الطرفين، ويهدف إلى توحيد الجهود لمواجهة التحديات الأمنية المتبقية.
وقد نقلت وكالة سانا عن الجيش السوري قوله إن نقل سجناء الأقطان يعد “الخطوة الأولى لتطبيق اتفاق 18 يناير”، حيث ستتسلم وزارة الداخلية السجن وتتولى إدارته بشكل كامل. هذه الخطوة تعزز من سيادة الدولة السورية على أراضيها وتضع ملف المعتقلين تحت إشرافها المباشر.
التأثيرات المتوقعة: محلياً وإقليمياً ودولياً
على الصعيد المحلي: من المتوقع أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الاستقرار الأمني في الرقة والمناطق المحيطة بها، وتوحيد الجهود لمكافحة الخلايا النائمة لداعش. كما أنها قد تمهد الطريق لعودة الخدمات الحكومية بشكل أوسع وتحسين الأوضاع المعيشية للسكان.
على الصعيد الإقليمي: يعكس هذا التطور ديناميكية متغيرة في شمال شرق سوريا، حيث تسعى دمشق لاستعادة نفوذها تدريجياً. قد يؤثر ذلك على مواقف الأطراف الإقليمية الأخرى، مثل تركيا التي تراقب عن كثب أي تغييرات في المنطقة، وعلى دور القوى الدولية كروسيا والولايات المتحدة.
على الصعيد الدولي: يظل ملف معتقلي داعش تحدياً عالمياً. في خطوة موازية، أعلنت القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم) مؤخراً عن بدء نقل “ما يصل إلى 7000 معتقل من عناصر تنظيم داعش إلى مرافق خاضعة للسيطرة العراقية”، مؤكدة أن 150 معتقلاً نقلوا من سجن في محافظة الحسكة. هذه الجهود المشتركة، سواء من قبل دمشق أو التحالف الدولي، تؤكد على الأهمية القصوى لمعالجة هذا الملف لمنع تجدد التهديد الإرهابي عالمياً.
إن استعادة سجن الأقطان ليست مجرد عملية أمنية، بل هي جزء من استراتيجية أوسع لإعادة بناء الدولة السورية وتأمين مستقبل المنطقة في مرحلة ما بعد داعش.


