تستعد العاصمة الألمانية برلين لاستقبال حدث دبلوماسي بارز يوم الثلاثاء القادم، حيث من المقرر أن يحل الرئيس السوري أحمد الشرع ضيفًا على ألمانيا. تأتي هذه الزيارة، التي أكدها جدول أعمال الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير، لتفتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية بين البلدين، وتضع ملف عودة اللاجئين السوريين في صدارة المباحثات.
وقد أشار متحدث باسم الحكومة الألمانية إلى أن المستشار فريدريش ميرتس سيناقش مع الرئيس الشرع قضايا محورية، أبرزها عودة المواطنين السوريين إلى ديارهم. وأوضح المتحدث أن هناك رغبة ألمانية واضحة في “تعزيز العلاقات وبدء صفحة جديدة مع الحكومة السورية الجديدة”، مؤكدًا على وجود “العديد من القضايا المهمة التي يجب التعامل معها، ومنها على سبيل المثال عودة السوريين إلى وطنهم”.
لم تكن هذه الزيارة مفاجئة، فقد وجه المستشار الألماني دعوة سابقة للرئيس السوري لزيارة برلين، بهدف بحث قضايا ذات اهتمام مشترك. وأكد ميرتس أن الدعوة جاءت للتباحث حول سبل إسهام برلين في تعزيز استقرار سوريا وتسهيل عودة السوريين. هذا التحول في الموقف الألماني يعكس رؤية جديدة مفادها أن “الحرب الداخلية في سوريا قد انتهت، وبالتالي لم يعد حق اللجوء قائمًا في ألمانيا للسوريين”.
ويعتقد المستشار ميرتس أن جزءًا كبيرًا من اللاجئين السوريين المقيمين في ألمانيا سيعودون طواعية للمشاركة في إعادة إعمار بلادهم، مشددًا على أن عملية إعادة الإعمار هذه “مستحيلة بدون هؤلاء الأشخاص”. وفي تحذير واضح، أشار إلى أن من يرفض العودة من ألمانيا “قد يُرحّل في المستقبل القريب”. هذا الموقف يأتي بعد أن قامت السلطات الألمانية بترحيل لاجئ سوري مدان إلى بلاده قبل أسبوع، في ثاني عملية من نوعها منذ الإطاحة بالرئيس السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024.
السياق العام والخلفية التاريخية لأزمة اللاجئين السوريين
لفهم أبعاد هذه الزيارة وأهميتها، يجب العودة إلى السياق الأوسع للأزمة السورية التي بدأت في عام 2011. لقد أدت الحرب الأهلية الطويلة إلى نزوح وتهجير ملايين السوريين داخل وخارج البلاد، وشكلت واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في القرن الحادي والعشرين. استقبلت ألمانيا، تحت قيادة المستشارة السابقة أنجيلا ميركل، ما يقرب من مليون لاجئ سوري في عامي 2015 و2016، في خطوة إنسانية لاقت ترحيبًا وانتقادًا على حد سواء. وقد أثر هذا التدفق الكبير على المشهد السياسي والاجتماعي الألماني، وأثار نقاشات واسعة حول قضايا الاندماج والأمن وتكاليف الاستقبال.
تغيرت الديناميكيات السياسية في ألمانيا بشكل ملحوظ منذ ذلك الحين. فبعد الإطاحة بالأسد في ديسمبر 2024، تصاعدت الدعوات في ألمانيا لإعادة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. ورغم أن الحكومة الألمانية السابقة، ذات التوجه يسار الوسط، حذرت من أن الوقت ما زال مبكرًا للحكم على مدى توافر الظروف الآمنة في سوريا، إلا أن وصول الحكومة المحافظة بقيادة المستشار فريدريش ميرتس إلى السلطة في مايو 2025 قد غير هذا النهج بشكل جذري. تبنت برلين سياسة أكثر صرامة تجاه الهجرة، متعهدة باستئناف عمليات الترحيل إلى سوريا وأفغانستان، بدءًا بالمحكوم عليهم بقضايا جنائية، وهو ما يمثل تحولًا كبيرًا في السياسة الخارجية والأمنية الألمانية.
أهمية الزيارة وتأثيرها المتوقع
تحمل زيارة الرئيس الشرع إلى برلين أهمية بالغة على عدة مستويات. على الصعيد المحلي الألماني، تمثل الزيارة محاولة من الحكومة المحافظة لتلبية مطالب جزء من الناخبين الذين يرغبون في رؤية حل لمسألة اللاجئين. كما أنها تعكس رغبة في تخفيف الضغط على الأنظمة الاجتماعية والبنية التحتية في ألمانيا. أما على الصعيد السوري، فإن عودة اللاجئين يمكن أن تكون عاملًا حاسمًا في عملية إعادة الإعمار، حيث يمتلك العديد منهم مهارات وخبرات يمكن أن تسهم في بناء سوريا ما بعد الصراع. ومع ذلك، فإن ضمان العودة الآمنة والكريمة والطوعية يظل تحديًا كبيرًا، ويتطلب توفير بيئة مستقرة وآمنة، بالإضافة إلى ضمانات بعدم التعرض للاضطهاد.
إقليميًا ودوليًا، يمكن أن تكون هذه الزيارة مؤشرًا على تحولات أوسع في التعامل الدولي مع الملف السوري. فإذا نجحت ألمانيا في إرساء أسس لعودة منظمة للاجئين، فقد يشجع ذلك دولًا أوروبية أخرى على تبني سياسات مماثلة. ومع ذلك، فإن المجتمع الدولي يراقب عن كثب مدى التزام الحكومة السورية الجديدة بالمعايير الدولية لحقوق الإنسان وتوفير الظروف الملائمة لعودة اللاجئين. كما أن مسألة تمويل إعادة الإعمار، والتي تقدر بمليارات الدولارات، ستكون محور نقاشات دولية مستقبلية، وقد تلعب ألمانيا دورًا في حشد الدعم إذا ما رأت أن الظروف مواتية. هذه الزيارة ليست مجرد لقاء دبلوماسي، بل هي نقطة تحول محتملة في مسار أزمة اللاجئين السوريين ومستقبل سوريا نفسها.


