spot_img

ذات صلة

تأجيل زيارة الشرع لألمانيا واتفاق وقف إطلاق النار بسوريا

أرجأ الرئيس السوري أحمد الشرع زيارته المرتقبة إلى العاصمة الألمانية برلين، والتي كانت مقررة يوم الثلاثاء، إلى أجل غير مسمى. جاء هذا التأجيل المفاجئ، بحسب متحدث باسم الحكومة الألمانية، بسبب الوضع السياسي الداخلي الراهن في سوريا، مما يسلط الضوء على التحديات المعقدة التي تواجه البلاد في هذه المرحلة الحرجة.

كانت الزيارة تهدف إلى فتح قنوات حوار مهمة بين دمشق وبرلين، حيث كان من المقرر أن يلتقي الرئيس الشرع بالمستشار الألماني فريدريش ميرتس، بالإضافة إلى عدد من الوزراء الاتحاديين وممثلين عن القطاع الاقتصادي الألماني. وتصدرت أجندة المباحثات قضايا محورية مثل إعادة اللاجئين السوريين إلى وطنهم، وهي قضية ذات أبعاد إنسانية وسياسية واقتصادية عميقة، فضلاً عن مناقشة سبل إعادة إعمار البلاد بعد ما يقرب من أربعة عشر عاماً من الحرب الأهلية المدمرة التي خلفت دماراً هائلاً وأزمة إنسانية غير مسبوقة. تعكس هذه الدعوة، التي وجهها ميرتس للشرع في نوفمبر الماضي، رغبة في استكشاف حلول دبلوماسية وتنموية للأزمة السورية.

يأتي هذا التأجيل في خضم تطورات داخلية مهمة في سوريا، أبرزها توقيع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاقاً حاسماً لوقف إطلاق النار والاندماج الكامل لقوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الجيش السوري. هذا الاتفاق، الذي يمثل خطوة كبيرة نحو توحيد المؤسسات العسكرية في البلاد، جاء بعد لقاءات مكثفة، حيث التقى الشرع بالمبعوث الأمريكي توم باراك. ورغم تأجيل لقائه مع قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، إلى اليوم التالي بسبب سوء الأحوال الجوية، أكد الشرع أن جميع الملفات العالقة مع “قسد” سيتم حلها، مشدداً على أن “الدولة السورية دولة موحدة، والمناطق ذات الخصوصية ستنسب أسماء عناصر الأمن الذين سيعملون فيها”، في إشارة إلى ترتيبات أمنية وإدارية خاصة.

من جانبه، علق قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، على الاتفاق بتصريحات تعكس التحديات والآمال. فقد أكد عبدي: “لم نفشل، ولن نسقط، وأمامنا خطوات، وسنعود إلى شعبنا وتنظيماتنا”، مشيراً إلى أن الاتفاق يهدف إلى “إعادة من تركوا بيوتهم”. وأوضح عبدي أن قراره بقبول الاتفاق مع دمشق جاء “لحقن الدماء”، مبيناً أن هذا الاتفاق “أوقف حرباً أهلية”، ومعترفاً بأن “الحرب لم تكن متكافئة”. هذه التصريحات تسلط الضوء على التكلفة البشرية الباهظة للصراع وضرورة إيجاد حلول تنهي المعاناة.

إن السياق العام لهذه الأحداث ينبع من عقود من التوترات الإقليمية والدولية التي تداخلت مع الأوضاع الداخلية السورية. فالحرب الأهلية السورية، التي بدأت في عام 2011، تحولت إلى صراع متعدد الأطراف بمشاركة قوى إقليمية ودولية، مما أدى إلى تفتت البلاد ونزوح الملايين. في هذا الإطار، تمثل أي خطوة نحو التوحيد أو وقف إطلاق النار أهمية قصوى لاستعادة الاستقرار. كما أن ملف اللاجئين السوريين في ألمانيا ودول أوروبية أخرى يشكل تحدياً كبيراً، حيث تسعى الدول المضيفة إلى إيجاد حلول مستدامة تضمن عودة آمنة وكريمة للاجئين، وهو ما يتطلب تعاوناً وثيقاً مع الحكومة السورية.

تأثير هذا الاتفاق، وتأجيل الزيارة، قد يكون له تداعيات محلية وإقليمية ودولية. محلياً، يمكن أن يمهد الاتفاق الطريق لتقليل حدة التوترات الداخلية ويعزز من سيطرة الدولة على أراضيها، مما قد يفتح الباب أمام جهود إعادة الإعمار. إقليمياً، قد يؤثر على ديناميكيات القوى في المنطقة، خاصة فيما يتعلق بمستقبل المناطق التي كانت تسيطر عليها “قسد” والعلاقات مع تركيا والعراق. دولياً، يظل المجتمع الدولي يراقب عن كثب أي تطورات في سوريا، حيث تسعى القوى الكبرى إلى تحقيق استقرار يخدم مصالحها ويقلل من تدفقات الهجرة غير الشرعية ويحد من انتشار الإرهاب. إن تأجيل الزيارة الألمانية قد يعكس أيضاً تعقيدات المشهد الدبلوماسي والحاجة إلى مزيد من الوقت لترتيب الأوراق الداخلية قبل الانخراط في حوارات دولية حساسة.

في الختام، تبرز هذه التطورات الأخيرة مدى تعقيد الأزمة السورية وتداخل أبعادها الداخلية والخارجية. فبينما يمثل اتفاق وقف إطلاق النار واندماج القوات خطوة محتملة نحو التهدئة الداخلية، فإن تأجيل الزيارة الدبلوماسية الهامة إلى ألمانيا يشير إلى أن الطريق نحو الحل الشامل وإعادة الإعمار لا يزال محفوفاً بالتحديات ويتطلب جهوداً دبلوماسية وسياسية مكثفة على جميع المستويات.

spot_imgspot_img