شهد شمال شرق سوريا تطوراً مهماً اليوم (الثلاثاء)، مع دخول قوات الأمن السورية مدينتي القامشلي وعين العرب (كوباني) في محافظة حلب، وذلك بعد مرور 24 ساعة على دخولها مدينة الحسكة. يأتي هذا التحرك تطبيقاً لاتفاق شامل تم التوصل إليه مؤخراً بين السلطات السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والذي يهدف إلى إعادة ترتيب الأوضاع الأمنية والإدارية في هذه المناطق الحيوية.
في خطوة تهدف إلى ضمان الأمن والاستقرار خلال عملية الانتشار، أعلنت قيادة الأمن الداخلي فرض حظر تجوال كلي في مدينة القامشلي، بدءاً من الساعة السادسة صباح اليوم بالتوقيت المحلي وحتى السادسة من صباح الغد. وقد شددت القيادة على ضرورة التزام المواطنين بهذه التعليمات، مؤكدة أن القرار يأتي في إطار الحفاظ على سلامة الأهالي وتسهيل مهام القوات الأمنية.
السياق التاريخي والجيوسياسي للحدث:
لفهم أبعاد هذا الاتفاق، لا بد من استعراض السياق التاريخي المعقد للأزمة السورية. منذ اندلاع النزاع في عام 2011، شهدت مناطق شمال وشرق سوريا تحولات جذرية. فمع تراجع سيطرة الدولة السورية في هذه المناطق، برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، المدعومة من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، كقوة رئيسية في محاربة تنظيم داعش الإرهابي. نجحت قسد في السيطرة على مساحات واسعة من الأراضي، وأنشأت “الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا” (روج آفا)، مما أثار تساؤلات حول مستقبل هذه المناطق وعلاقتها بالدولة المركزية.
لطالما كانت العلاقة بين دمشق وقسد تتسم بالتوتر والتفاوض المتقطع. ففي حين تسعى الحكومة السورية إلى بسط سيادتها الكاملة على جميع الأراضي السورية، تطالب قسد بالاعتراف بإدارتها الذاتية والحفاظ على خصوصية قواتها. المفاوضات لدمج القوات والمؤسسات في الدولة السورية بدأت في مراحل مختلفة من الصراع، لكنها غالباً ما كانت تتعثر بسبب تباين الرؤى والمصالح. وقد شهدت الأشهر الأخيرة تصعيداً عسكرياً متزايداً، خاصة مع التهديدات التركية المتكررة بشن عمليات عسكرية ضد قسد، مما دفع الأخيرة للبحث عن تفاهمات مع دمشق لملء الفراغ الأمني وتجنب المزيد من التصعيد.
تفاصيل الاتفاق والانتشار الأمني:
توصلت السلطات السورية وقسد يوم الجمعة الماضي إلى اتفاق شامل، ينص على عملية دمج متسلسلة للقوات العسكرية والإدارية بين الجانبين في محافظة الحسكة، التي تُعد المعقل الأخير للقوات الكردية بعد انسحابها من مناطق كانت تحت سيطرتها لسنوات في شمال وشرق البلاد. هذا الاتفاق يأتي بعد أسابيع من التصعيد العسكري، ويُعد خطوة مهمة نحو إعادة بسط نفوذ الدولة السورية في هذه المناطق.
وقد سبق دخول قوات الأمن السورية إلى الحسكة والقامشلي وعين العرب فرض حظر تجوال من قبل القوات الكردية في الحسكة اعتباراً من صباح أمس الإثنين، تمهيداً لعملية الانتشار. كما أعلن قائد قوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، أن تطبيق الاتفاق يشمل ميدانياً تراجع قواته والقوات الحكومية من “خطوط الاشتباك” في شمال شرق البلاد ومدينة عين العرب الواقعة في أقصى محافظة حلب عند الحدود مع تركيا، على أن تدخل “قوة أمنية محدودة” إلى مدينتي الحسكة والقامشلي.
الأهمية والتأثيرات المتوقعة:
يحمل هذا الاتفاق دلالات عميقة وتأثيرات محتملة على مستويات عدة:
- على الصعيد المحلي: يثير الاتفاق تساؤلات حول مستقبل الإدارة الذاتية الكردية ومصير القوات المحلية. قد يؤدي إلى تحسن في الخدمات الحكومية وعودة بعض المؤسسات الرسمية، لكنه قد يثير أيضاً مخاوف لدى السكان المحليين بشأن الحريات السياسية والثقافية. فرض حظر التجوال يعكس حساسية المرحلة الانتقالية وضرورة الحفاظ على الأمن خلالها.
- على الصعيد الإقليمي: يُعد هذا التطور انتصاراً سياسياً للحكومة السورية، ويعزز موقفها في سعيها لاستعادة السيطرة على كامل الأراضي. بالنسبة لتركيا، قد يقلل هذا الاتفاق من مخاوفها الأمنية المتعلقة بوجود قسد على حدودها، لكنه قد يثير أيضاً قلقها من عودة النفوذ السوري الكامل. كما أنه يعيد تشكيل خريطة النفوذ في المنطقة، خاصة مع تراجع محتمل للدور الأمريكي في هذه الجيوب.
- على الصعيد الدولي: يعكس الاتفاق ديناميكية القوى الدولية الفاعلة في سوريا، وخاصة الدور الروسي كوسيط رئيسي بين دمشق وقسد. قد يؤثر على مستقبل الوجود الأمريكي في شمال شرق سوريا، والذي كان يهدف إلى دعم قسد في مواجهة داعش. هذا التطور قد يفتح الباب أمام حلول سياسية أوسع للأزمة السورية، أو قد يؤدي إلى تعقيدات جديدة في ظل المصالح المتضاربة للقوى الإقليمية والدولية.
يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى نجاح هذا الاتفاق في تحقيق الاستقرار الدائم، وكيف ستتفاعل الأطراف المختلفة مع التداعيات المستقبلية لهذه الخطوة المحورية في المشهد السوري المعقد.


