تتألق مدينة الطائف، التي لطالما عُرفت بكونها منارةً ثقافيةً عريقةً ومصيفًا تاريخيًا في قلب المملكة العربية السعودية، باستضافتها مهرجان الكتّاب والقرّاء، الذي يواصل تقديم فعالياته الثقافية المتنوعة. ومن أبرز هذه الفعاليات وأكثرها إلهامًا، تأتي فعالية «أدباء عبر التاريخ»، التي تُعد جسرًا حيًا يربط الأجيال الحالية بالرواد الأوائل الذين نحتوا ملامح المشهد الأدبي والثقافي السعودي. هذه الفعالية لا تقتصر على التعريف بأسماء لامعة فحسب، بل تسلط الضوء على عمق تأثيرهم في تشكيل الوعي الجمعي، وإرساء دعائم النهضة الفكرية والإبداعية في المملكة منذ بواكير تأسيسها وحتى يومنا هذا.
الطائف: حاضنة الثقافة والتاريخ
لطالما كانت الطائف، بتاريخها العريق وموقعها الاستراتيجي المتميز، حاضنةً للمفكرين والأدباء والشعراء. فمناخها المعتدل وطبيعتها الخلابة جعلتها وجهة مفضلة للعلماء والأدباء على مر العصور، مما أسهم في جعلها مركزًا للإشعاع الفكري. ومع بزوغ فجر الدولة السعودية الحديثة في أوائل القرن العشرين، شهدت المملكة حركة ثقافية نشطة وغير مسبوقة، مدفوعةً بتأسيس المدارس الحديثة، ودور الطباعة التي سهلت نشر المعرفة، وظهور الصحافة كمنصات حيوية لتبادل الأفكار وتشكيل الرأي العام. في هذا السياق، برز جيل من الأدباء والشعراء والمفكرين الذين لم يكتفوا بالكتابة، بل كانوا روادًا في مجالات متعددة كالمسرح والصحافة والفكر، مسهمين بذلك في بناء هوية ثقافية وطنية متفردة، وممهدين الطريق للأجيال اللاحقة من المبدعين.
لقد كانت الطائف، إلى جانب مدن أخرى مثل مكة المكرمة وجدة، مراكز حيوية لهذه النهضة الأدبية المبكرة. ففي أروقتها، التقى الأدباء وتبادلوا الأفكار، وخطوا أولى صفحات الأدب السعودي الحديث، متأثرين بالتيارات الفكرية العربية والعالمية، ومحافظين في الوقت ذاته على خصوصية الثقافة المحلية. هذا التفاعل الثقافي الغني هو ما تسعى فعالية «أدباء عبر التاريخ» إلى استحضاره والاحتفاء به.
«أدباء عبر التاريخ»: رحلة في ذاكرة الإبداع السعودي
تأخذ فعالية «أدباء عبر التاريخ» الزوار في رحلة سردية ماتعة، تستحضر من خلالها رموزًا أدبية خالدة كان لها حضور محوري في تأسيس النهضة الثقافية السعودية. هذه الشخصيات لم تكن مجرد كتّاب، بل كانوا قادة فكر امتد تأثيرهم ليشمل الصحافة والأدب والمسرح والفكر، ليصبح كل واحد منهم علامة فارقة في ذاكرة الثقافة السعودية، وشاهدًا على مسار تطورها وتحولاتها عبر العقود. تقدم الفعالية محتوى بصريًا وسرديًا متكاملًا، يجمع بين المعلومة الموثقة والسرد الشيق، مما يجعل تجربة الزوار غنية ومثرية.
أعلام الأدب السعودي المحتفى بهم:
- الأمير الشاعر عبدالله الفيصل: أحد أبرز شعراء الحداثة في المملكة.
- الكاتب عبدالله نور: من رواد القصة القصيرة.
- الأديب محمد حسين زيدان: صاحب إسهامات بارزة في النقد الأدبي.
- أحمد السباعي: رائد الصحافة والمسرح الحديث في الحجاز.
- حسين سراج: أحد روّاد المسرح السعودي ومؤسسيه.
- عصام خوقير: الطبيب الأديب الذي جمع بين العلم والأدب.
- سعد البواردي: صاحب زاوية «استراحة داخل صومعة الفكر» الشهيرة.
- إبراهيم خفاجي: الشاعر الذي ارتبط اسمه بالنشيد الوطني السعودي الخالد.
- طاهر زمخشري: رائد أدب الطفل في المملكة.
- محمد حسن عواد: أحد روّاد التجديد الأدبي والفكر الحر.
- محمد سعيد خوجة: الرائد في طباعة كتب التراث ونشرها.
الأهمية والتأثير: رؤية لمستقبل الثقافة
إن أهمية هذه الفعالية تتجاوز مجرد عرض السير الذاتية؛ فهي تمثل احتفاءً بالذاكرة الوطنية، وتأكيدًا على الدور المحوري الذي تلعبه الثقافة في بناء المجتمعات وتشكيل هويتها. محليًا، تعزز الفعالية من مكانة الطائف كوجهة ثقافية رائدة، وتساهم في إثراء المشهد الثقافي للمدينة، وتوفر للشباب فرصة فريدة للتواصل مع إرثهم الفكري الغني، مما يلهمهم للإبداع والمساهمة في المشهد الثقافي المعاصر.
وعلى الصعيد الوطني، تسهم «أدباء عبر التاريخ» في ترسيخ الهوية الثقافية السعودية الأصيلة، وتلهم الأجيال الجديدة من الكتّاب والمفكرين لمواصلة مسيرة الإبداع، بما يتماشى مع رؤية المملكة 2030 الطموحة. فالمملكة تولي اهتمامًا كبيرًا لتنمية القطاع الثقافي وتعزيزه كركيزة أساسية للتنمية الشاملة، وكجزء لا يتجزأ من جودة الحياة. تهدف الرؤية إلى جعل الثقافة نمط حياة، وتنمية المواهب، وتعزيز التبادل الثقافي، وهو ما تجسده هذه الفعالية بامتياز من خلال ربط الماضي بالحاضر والمستقبل.
علاوة على ذلك، تساهم هذه الفعاليات في حفظ التراث الأدبي السعودي وتوثيقه، مما يجعله متاحًا للأجيال القادمة وللباحثين والمهتمين بالثقافة العربية. إنها فرصة لتعميق الوعي بتاريخ الأدب السعودي وتطوره، وإبراز مكانته ضمن الأدب العربي والعالمي.
ختامًا: إرث يتجدد
وفي الختام، تهدف فعالية «أدباء عبر التاريخ» إلى تحقيق أهداف نبيلة تتمثل في تقريب الزوار من رموز الأدب السعودي، وذلك عبر محتوى بصري وسردي متكامل يعيد تشكيل أثرهم ويُبرز إسهاماتهم المتنوعة في شتى الحقول. إنها فرصة لا تقدر بثمن للزوار ليقرأوا في لوحة واحدة حكاية جيل كامل من الرواد الذين مهدوا الطريق للحركة الأدبية الحديثة، وليتعرفوا إلى أعلام الثقافة السعودية بأسلوب ميسّر يجمع بين المعلومة الموثقة والسرد الشيق، على نحو يضمن ترسيخ حضور هؤلاء الرواد في الذاكرة الثقافية الوطنية للأجيال القادمة، ويؤكد أن الطائف ستبقى دومًا منارة للإبداع والفكر.


