مع إشراقة شهر يناير، وتحديداً مع دخول موسم «الطرف» الزراعي، تشهد مزارع الورد الطائفي في مناطق الهدا والشفا نشاطاً حيوياً ومحورياً يتمثل في بدء عمليات تقليم أغصان شجر الورد. هذه العملية، التي تعتبرها أيادي المزارعين الخبيرة ركيزة أساسية، تهدف إلى ضمان موسم إنتاجي وافر وذو جودة عالية للورد الطائفي الذي يُعد جوهرة المنطقة.
يُعد الورد الطائفي، بعبقه الفريد وجماله الأخاذ، أحد أبرز المنتجات الزراعية التي تشتهر بها محافظة الطائف، ويحظى بمكانة خاصة في التراث السعودي والعالمي. تعود جذور زراعة الورد في الطائف إلى قرون طويلة، حيث اشتهرت المنطقة بمناخها المعتدل وخصوبة تربتها، مما جعلها بيئة مثالية لنمو هذا النوع النادر من الورد الدمشقي. وقد ارتبط الورد الطائفي تاريخياً بالثقافة العربية والإسلامية، حيث كان يستخدم في صناعة العطور والبخور وتطييب الكعبة المشرفة، مما أكسبه قدسية وأهمية تتجاوز كونه مجرد محصول زراعي.
تتم عملية التقليم بقص الفروع القديمة والجافة، وإزالة الأجزاء الضعيفة أو المريضة من الشجيرات. الهدف الأساسي من هذه الخطوة هو تحفيز النمو الجديد، وتجديد حيوية النبات، وتهيئته للإزهار بكثافة وجودة أعلى في الموسم الوردي الذي يبدأ عادة في الربيع. يرى مختصون زراعيون أن التقليم السليم لا يسهم فقط في زيادة عدد الأزهار وتحسين حجمها وجودتها، بل يلعب دوراً حاسماً في الحد من انتشار الآفات والأمراض التي قد تؤثر سلباً على صحة النبات وإنتاجيته.
من جانبهم، يؤكد مزارعو الورد أن عملية التقليم تتطلب خبرة ودقة متناهية، فهي ليست مجرد قص عشوائي للأغصان. تختلف طريقة القص وارتفاعه وزاوية القطع بحسب عمر الشجيرة وحالتها الصحية، ونوع النمو المرغوب فيه. أي خطأ في التقليم قد يؤثر سلباً على الإنتاج ويقلل من حيوية النبات في المواسم اللاحقة. كما أشاروا إلى أن التقليم الجيد يقلل من استهلاك المياه والأسمدة، حيث يركز النبات طاقته على الأجزاء المنتجة، ما ينعكس إيجاباً على استدامة الزراعة ويقلل من البصمة البيئية للمزارع.
الورد الطائفي ليس مجرد زهرة، بل هو عنصر حيوي في الهوية الثقافية والاقتصادية للمنطقة والمملكة ككل. يدخل في صناعة أفخر أنواع العطور، وماء الورد، وزيت الورد العطري، التي تُصدر إلى مختلف أنحاء العالم. كما يُسهم في تنشيط السياحة الزراعية خلال موسم الإزهار، حيث يتوافد الزوار من داخل المملكة وخارجها للاستمتاع بجمال المزارع ورائحة الورد الفواحة، والمشاركة في فعاليات قطف الورد. هذا النشاط السياحي يعزز الاقتصاد المحلي ويوفر فرص عمل للمجتمع. لذا، فإن تقليم الورد ليس مجرد عمل زراعي روتيني، بل هو خطوة أساسية ومحورية في رحلة الحفاظ على هذا الإرث العريق، وضمان استمرارية إنتاجه وجودته للأجيال القادمة، مما يعكس التزاماً عميقاً بالحفاظ على هذا الكنز الوطني.


