في خطوة رائدة نحو إثراء المشهد الثقافي وتوسيع آفاق التفاعل مع الأدب، قدّم مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف تجربة فريدة من نوعها تحت مسمى «المتاهة». هذه الفعالية التفاعلية، المستوحاة ببراعة من أجواء رواية «صائد الساحرات» للكاتب السعودي المبدع منذر القباني، لم تكن مجرد لعبة، بل كانت رحلة غامرة صُممت لتحدي سرعة البديهة واستثارة الذكاء لدى الزوار، ضمن باقة متنوعة من الأنشطة التي ينظمها المهرجان تحت إشراف هيئة الأدب والنشر والترجمة.
تعتمد تجربة «المتاهة» على سلسلة من ثلاثة تحديات زمنية متتابعة، صُممت بعناية لتعكس روح التشويق والغموض في الرواية الأصلية. يجد الزوار أنفسهم أمام محطات تحمل أسماءً مثيرة مثل «النجمة الخماسية»، و«الصوت الهامس»، و«المصباح المنير»، حيث يتعين عليهم إنجاز مهمات سريعة ودقيقة في غضون عدّ تنازلي لا يتجاوز ثلاث دقائق لكل تحدٍ. وتتيح آلية المحاولات المتدرجة فرصة للزوار لاجتياز المسار حتى بلوغ المرحلة النهائية، مما يضيف عنصر الإثارة والتحدي المستمر.
لقد صُممت هذه الفعالية لتقديم المحتوى الأدبي بصيغة مبتكرة وتفاعلية، محوّلةً عناصر الرواية من صفحات الكتاب إلى تجربة حية وملموسة. إنها تدمج ببراعة بين متعة القراءة وتشويق اللعب، معززةً التفاعل السمعي والبصري، وهو ما يساهم بشكل كبير في توسيع قاعدة المشاركة الثقافية ويعزز حضور الأدب وجاذبيته لدى مختلف فئات الزوار، لا سيما الشباب الذين يبحثون عن طرق جديدة للتفاعل مع المحتوى الثقافي.
يُعد مهرجان الكتّاب والقرّاء بالطائف جزءًا لا يتجزأ من الحراك الثقافي الشامل الذي تشهده المملكة العربية السعودية، مدعومًا برؤية 2030 الطموحة التي تهدف إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح. تلعب هيئة الأدب والنشر والترجمة دورًا محوريًا في هذا السياق، حيث تسعى جاهدة لتعزيز القراءة والكتابة والترجمة، ودعم المواهب الأدبية المحلية، وتقديم فعاليات ثقافية مبتكرة تجذب الجمهور وتثري تجربته المعرفية. هذه المهرجانات ليست مجرد تجمعات، بل هي منصات حيوية لتبادل الأفكار وتعزيز الهوية الثقافية.
الكاتب منذر القباني، الذي استُلهمت روايته «صائد الساحرات» لتصميم «المتاهة»، يُعد من الأصوات الروائية السعودية البارزة، والمعروف بأسلوبه المشوق وقدرته على بناء عوالم خيالية غنية بالتشويق والغموض. روايته، التي تنتمي غالبًا إلى أدب الجريمة والتشويق، توفر مادة خصبة لتحويلها إلى تجارب تفاعلية، مما يبرز التنوع في الأدب السعودي وقدرته على التكيف مع أشكال التعبير الفني الحديثة. هذا التوجه نحو تحويل الأعمال الأدبية إلى تجارب حسية يعكس اتجاهًا عالميًا في صناعة الترفيه الثقافي.
تأثير هذه الفعالية يتجاوز حدود الترفيه المباشر. فعلى الصعيد المحلي، تساهم «المتاهة» في تنشيط الحركة الثقافية والسياحية في محافظة الطائف، جاذبةً الزوار من داخل المملكة وخارجها، ومقدمةً لهم تجربة فريدة تجمع بين المتعة والفائدة. أما على الصعيد الوطني والإقليمي، فإن مثل هذه المبادرات تعزز مكانة المملكة كمركز إشعاع ثقافي، وتظهر التزامها بدعم الإبداع الأدبي والفني، وتشجيع الأجيال الجديدة على الانخراط في عالم القراءة والأدب بطرق غير تقليدية. إنها تساهم في بناء جيل مثقف ومفكر، قادر على التفاعل مع التحديات بذكاء وسرعة بديهة.
في ختام كل جولة، تُسجل نتائج الفعالية بدقة بناءً على معيار الوقت ونجاح تنفيذ المهمات. الزائر الذي يتمكن من إتمام المحطات الثلاث بنجاح يُكافأ بختم «الناجي»، الذي لا يمثل إنجازًا شخصيًا فحسب، بل يتيح له أيضًا فرصة المشاركة في جوائز المهرجان القيمة، مما يضيف حافزًا إضافيًا للمشاركة. أما غير المجتازين، فيوجَّهون إلى مخرج آمن بعد إعلان انتهاء الوقت، مع الحفاظ على روح المرح والتحدي. يستقبل المهرجان زواره يومياً من الرابعة مساءً حتى الثانية عشرة منتصف الليل، ويستمر حتى 15 يناير الجاري، في مقره بمتنزّه الردف بمحافظة الطائف، داعيًا الجميع لاكتشاف هذه التجربة الأدبية الفريدة.


