اختتمت هيئة الأدب والنشر والترجمة بنجاح باهر النسخة الثالثة من مهرجان الكتّاب والقرّاء بمحافظة الطائف، مسدلة الستار على سبعة أيام حافلة بالفعاليات الثقافية والإبداعية المتنوعة. استضاف متنزه الردّف التاريخي هذا الحدث البارز خلال الفترة من 9 إلى 15 يناير 2026، مقدماً تجربة فريدة جمعت بين عمق المعرفة ومتعة الاكتشاف تحت شعار معبر: «حضورك مكسب». وقد شهد المهرجان إقبالاً جماهيرياً غير مسبوق، مؤكداً مكانته كمنارة ثقافية رائدة في المملكة.
في تأكيد على النجاح اللافت الذي حققه المهرجان، أعلن الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز الواصل، الرئيس التنفيذي لهيئة الأدب والنشر والترجمة، عن تجاوز عدد الزوار حاجز الـ 370 ألف زائر. هذا الرقم المذهل لا يعكس فقط تصاعد الوعي الثقافي والاهتمام المتزايد بالأدب والقراءة في المجتمع السعودي، بل يرسخ أيضاً مكانة المهرجان كأحد أبرز الملتقيات الأدبية على الصعيدين الوطني والإقليمي. إن هذا الإقبال يعكس جهود الهيئة المستمرة في جعل الأدب جزءاً حيوياً وأصيلاً من نسيج الحياة اليومية للأفراد، وتقديم تجارب ثقافية شاملة ومثرية.
يأتي اختيار الطائف لاستضافة هذا المهرجان ليس من قبيل المصادفة، بل هو امتداد لإرثها الأدبي العريق ومكانتها التاريخية المرموقة. فمدينة الطائف، المعروفة بـ “مصيف العرب”، كانت ولا تزال مركزاً ثقافياً مهماً، وشهدت أسواقها القديمة مثل سوق عكاظ تجمعات شعرية وأدبية كبرى في عصور ما قبل الإسلام، مما يؤكد عمق جذورها في المشهد الثقافي العربي. هذا التوجه يتماشى تماماً مع رؤية المملكة 2030 الطموحة، التي تهدف إلى بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر ووطن طموح، وتضع الثقافة والفنون في صميم أولوياتها. تسعى المنظومة الثقافية السعودية، ممثلة بوزارة الثقافة وهيئاتها المتخصصة، إلى توزيع الفعاليات الثقافية الكبرى على مختلف مناطق المملكة، لفتح آفاق جديدة للإبداع والتعبير، وتعزيز الهوية الثقافية الوطنية.
لقد صُمم برنامج المهرجان بعناية فائقة ليخاطب جميع فئات المجتمع، من الأطفال إلى الكبار، جامعاً بين العمق المعرفي والتجربة الترفيهية الجذابة. وقد أكد الدكتور الواصل أن الهدف هو تمكين الزائر من مغادرة المهرجان محمّلاً بالدهشة والفائدة معاً، في تجربة لا تُنسى. وتؤكد الهيئة التزامها المستمر بتعزيز حضور الثقافة في المشهد العام، وترسيخ مكانة الأدب في الحياة اليومية، من خلال تهيئة بيئة تفاعلية تجمع الكتّاب والقرّاء والمثقفين، وتحتفي بهم بوصفهم القلب النابض لمنظومة الإنتاج الثقافي التي تسعى المملكة إلى تطويرها وتنميتها.
توزعت فعاليات المهرجان على أربعة مواقع رئيسية هي الدرب والمطل والفناء والصرح، وشهدت أكثر من 270 فعالية متنوعة. شملت هذه الفعاليات 176 تفعيلة ثقافية، و84 عرضاً مسرحياً مبهراً، و7 أمسيات غنائية وشعرية أضفت رونقاً خاصاً، إلى جانب تجسيد 45 عملاً أدبياً وفنياً بطرق مبتكرة. كما أتاحت 20 منصة فنية للحرفيين والفنانين عرض إبداعاتهم في بيئة احترافية، مما ساهم في دعم المواهب المحلية وتعزيز الصناعات الثقافية. ولم يغفل المهرجان الجانب التفاعلي، حيث وفرت الهيئة منصات وتجارب فريدة مكّنت الزوّار من الاستماع إلى القصائد، ومتابعة العروض الموسيقية، والحوار مع النصوص والشخصيات الأدبية، والتعرّف على محطات مضيئة في تاريخ الأدب، والتنقل بين عوالم تعبيرية متعددة. وبرز جناح الهيئة بوصفه نافذة تعريفية بمبادراتها ومشاريعها الطموحة في دعم قطاعات الأدب والنشر والترجمة، مما يعكس دورها المحوري في المشهد الثقافي.
وفي مشهد يعكس الرهان على المستقبل وبناء جيل واعٍ ومثقف، حضرت منطقة الأطفال بتجربة متكاملة ومبتكرة. ضمت هذه المنطقة خمسة أركان رئيسية، وأنشطة تطبيقية تفاعلية، وألعاباً تعليمية مصممة خصيصاً لتنمية المهارات الإدراكية والإبداعية. كما استمتع الأطفال بمسرح الحكواتي، الذي قدّم قصصاً هادفة بأسلوب ممتع وجذاب، مما يسهم في بناء وعي ثقافي مبكر لدى الأجيال الناشئة، وغرس حب القراءة والأدب في نفوسهم منذ الصغر، وهو استثمار حقيقي في مستقبل المملكة الثقافي.
يأتي هذا النجاح الباهر متسقاً تماماً مع المكانة العالمية المرموقة التي تحظى بها الطائف، بعد إدراجها ضمن شبكة مدن اليونسكو المبدعة في مجال الأدب بتاريخ 31 أكتوبر 2023. هذا الإنجاز التاريخي جعل الطائف أول مدينة سعودية تنال هذا التصنيف الرفيع، وهو تأكيد دولي على حضورها المؤثر والمستمر في المشهدين الأدبي الوطني والعالمي. إن مهرجان الكتّاب والقرّاء يعزز من هذا التصنيف، ويساهم في ترسيخ مكانة الطائف كوجهة ثقافية عالمية، قادرة على استقطاب المبدعين والمثقفين من شتى أنحاء العالم، وتقديم منصة للحوار وتبادل الأفكار الأدبية. هذا بدوره يعكس التزام المملكة بتعزيز دورها الثقافي على الساحة الدولية، وتقديم إسهاماتها الحضارية للعالم.
بهذا الختام المشرق، لم يكن مهرجان الكتّاب والقرّاء مجرد فعالية عابرة، بل محطة ثقافية فارقة أعادت للأدب بريقه، وللقارئ مكانته الجوهرية، وللطائف دورها الريادي بوصفها مدينة تكتب مستقبلها بالحرف والضوء والذاكرة. إنه احتفال بالكلمة والفكر، وتأكيد على أن الثقافة هي المحرك الأساسي للتقدم والازدهار في المملكة العربية السعودية.


