تتصاعد حالة من القلق والتكهنات في طاجيكستان ومنطقة آسيا الوسطى، بعد مرور أكثر من أسبوعين على آخر ظهور علني للرئيس إمام علي رحمن، الذي يحكم البلاد بقبضة حديدية منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذا الغياب غير المعتاد لزعيم يبلغ من العمر 73 عامًا، وتشتهر وسائل الإعلام الحكومية بتغطية أنشطته بشكل شبه يومي، فتح الباب على مصراعيه أمام تساؤلات حول حالته الصحية ومستقبل السلطة في هذه الجمهورية السوفيتية السابقة ذات الموقع الاستراتيجي.
كان آخر ظهور للرئيس رحمن في 28 يناير الماضي، خلال اجتماع مع كبار قادة الأجهزة الأمنية في البلاد. ومنذ ذلك الحين، ساد صمت مطبق من الرئاسة، مما أثار حيرة المراقبين والشعب على حد سواء. ومما زاد من حدة الشائعات، قيام القناة التلفزيونية الرسمية يوم الثلاثاء ببث أغانٍ ذات ألحان حزينة مصحوبة بصورة للرئيس على خلفية سوداء، مع عبارة “رجل سلالة الشمس”، وهو ما فسره البعض على أنه تلميح غير مباشر لوقوع مكروه. كما حاولت السلطات تبديد المخاوف عبر نشر مقطع فيديو قديم على حسابات الرئيس الرسمية، وإعلانها أنه سيشارك في فعاليات قادمة، وهي خطوة غير مألوفة نظرًا لأن جدول أعماله لا يُنشر مسبقًا عادةً.
خلفية تاريخية وسياق سياسي
وصل إمام علي رحمن إلى السلطة في عام 1992، في خضم حرب أهلية مدمرة (1992-1997) كادت أن تمزق البلاد عقب انهيار الاتحاد السوفيتي. وينسب له أنصاره الفضل في إنهاء الصراع وإعادة توحيد طاجيكستان، وإرساء الاستقرار، وإحياء الثقافة الوطنية. على مدى 33 عامًا، أحكم رحمن قبضته على جميع مفاصل الدولة، وأنشأ ما يشبه “عبادة الشخصية”، حيث يحمل ألقابًا رسمية مثل “مؤسس السلام والوحدة الوطنية – زعيم الأمة”. في المقابل، توجه له منظمات حقوق الإنسان الدولية انتقادات حادة تتعلق بقمع المعارضة السياسية، وتقييد حرية الصحافة، وغياب التعددية السياسية الحقيقية.
أهمية الحدث وتأثيره المتوقع
إن أي تغيير في قمة هرم السلطة في طاجيكستان يحمل في طياته تداعيات كبيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. فعلى الصعيد المحلي، يثير غياب الرئيس قلقًا بشأن عملية انتقال السلطة. ووفقًا للدستور، في حال وفاة الرئيس أو عجزه عن أداء مهامه، يتولى ابنه الأكبر، رستم إمام علي، الذي يشغل منصب رئيس مجلس الشيوخ (الجمعية الوطنية)، رئاسة البلاد بالوكالة، على أن تُجرى انتخابات رئاسية في غضون ثلاثة أشهر. وقد تم إعداد رستم (36 عامًا) لسنوات ليكون خليفة والده، حيث يشغل أيضًا منصب عمدة العاصمة دوشنبه.
إقليميًا ودوليًا، تكتسب طاجيكستان أهمية استراتيجية كبرى. فهي تشترك في حدود طويلة ومضطربة مع أفغانستان، مما يجعلها دولة محورية في جهود مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات. كما أنها عضو في منظمة معاهدة الأمن الجماعي التي تقودها روسيا، وتستضيف قاعدة عسكرية روسية كبيرة. وفي الوقت نفسه، تعد الصين شريكًا اقتصاديًا رئيسيًا ومستثمرًا ضخمًا في البنية التحتية للبلاد. لذلك، فإن أي حالة من عدم الاستقرار في دوشنبه ستكون مصدر قلق بالغ لموسكو وبكين، اللتين تراقبان الوضع عن كثب لضمان الحفاظ على مصالحهما واستقرار المنطقة الحيوية.


