صرح مصدر مسؤول في وزارة الطاقة السعودية بتفاصيل دقيقة حول استهداف منشآت الطاقة الحيوية في المملكة مؤخراً، والذي طال عدة مواقع استراتيجية. وشملت هذه الهجمات مرافق أساسية لإنتاج البترول والغاز، بالإضافة إلى محطات النقل والتكرير، ومرافق البتروكيميائيات وقطاع الكهرباء في كل من مدينة الرياض، والمنطقة الشرقية، وينبع الصناعية. وقد أسفرت هذه الاعتداءات عن فقدان مأساوي لحياة أحد المواطنين من منسوبي الأمن الصناعي بالشركة السعودية للطاقة، إلى جانب إصابة سبعة مواطنين آخرين من العاملين في الشركة.
تفاصيل استهداف منشآت الطاقة وحجم الأضرار
نتج عن استهداف منشآت الطاقة تعطل ملحوظ في عدد من العمليات التشغيلية داخل مرافق رئيسية تشكل العمود الفقري لمنظومة الطاقة. ومن أبرز التداعيات، تعرض إحدى محطات الضخ الواقعة على خط أنابيب (شرق-غرب) الحيوي لهجوم أدى إلى فقدان نحو 700 ألف برميل يومياً من كميات الضخ عبر هذا الخط، والذي يُعد مساراً رئيسياً وآمناً لإمداد الأسواق العالمية بالنفط في ظل التوترات الحالية.
علاوة على ذلك، تعرض معمل إنتاج “منيفة” لاعتداء تسبب في انخفاض إنتاجه بنحو 300 ألف برميل يومياً من طاقته الإنتاجية. ويتزامن هذا مع استهداف سابق لمعمل “خريص”، والذي أدى بدوره إلى تراجع الإنتاج بمقدار 300 ألف برميل يومياً، مما يعني انخفاضاً إجمالياً في الطاقة الإنتاجية للمملكة يقدر بنحو 600 ألف برميل يومياً.
تأثير الهجمات على مصافي التكرير وإمدادات الغاز
لم تقتصر الأضرار على إنتاج الخام فحسب، بل امتدت لتشمل مرافق التكرير الرئيسية. فقد طالت الهجمات مرافق “ساتورب” في الجبيل، ومصفاة “رأس تنورة”، ومصفاة “سامرف” في ينبع، ومصفاة الرياض. وقد أثر ذلك بشكل مباشر وفوري على حجم صادرات المنتجات المكررة الموجهة إلى الأسواق العالمية. وفي سياق متصل، تعرضت مرافق المعالجة في منطقة “الجعيمة” لحرائق نتيجة الهجمات، مما ألقى بظلاله السلبية على صادرات سوائل الغاز البترولي (LPG) وسوائل الغاز الطبيعي.
السياق التاريخي لحماية أمن الطاقة العالمي
تاريخياً، تلعب المملكة العربية السعودية دوراً محورياً كصمام أمان لأسواق الطاقة العالمية. ولم تكن هذه الحادثة هي الأولى من نوعها؛ ففي عام 2019، تعرضت منشآت بقيق وخريص لهجمات مماثلة أثبتت للعالم أجمع مدى ترابط أمن المنشآت السعودية باستقرار الاقتصاد الدولي. إن تكرار مثل هذه الحوادث يسلط الضوء على التحديات الجيوسياسية المستمرة في منطقة الشرق الأوسط، ويؤكد أن المساس بهذه البنية التحتية لا يُعد هجوماً على دولة بعينها، بل هو استهداف مباشر لعصب الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الدول الصناعية والنامية على حد سواء.
التداعيات الاستراتيجية والاقتصادية على الأسواق الدولية
إن استمرار استهداف منشآت الطاقة يحمل في طياته مخاطر جسيمة تتجاوز الحدود الإقليمية. محلياً، تبذل الجهات المعنية جهوداً مضنية ومستمرة لاحتواء الأضرار وإعادة تشغيل المرافق المتضررة في أسرع وقت ممكن لضمان موثوقية الإمدادات. أما على الصعيد الدولي، فإن هذه الهجمات تؤدي حتماً إلى نقص في الإمدادات وتباطؤ في وتيرة استعادتها، مما ينعكس بشكل خطير على أمن الإمدادات للدول المستهلكة.
كما تسهم هذه الأحداث في زيادة حدة التقلبات السعرية في أسواق البترول العالمية، وهو ما ينعكس سلباً على معدلات التضخم والنمو في الاقتصاد العالمي. وتزداد خطورة هذا الموقف في الوقت الراهن بالتزامن مع استنفاد جزء كبير من المخزونات التشغيلية والاحتياطيات الاستراتيجية (الطارئة) لدى العديد من الدول الكبرى، مما يحد من قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة السريعة والفعالة لتعويض هذا النقص المفاجئ في إمدادات الطاقة.


