spot_img

ذات صلة

إيران: جيشنا متأهب ولن نتخلى عن النووي السلمي – محادثات جنيف

أكدت طهران مجددًا التزامها ببرنامجها النووي السلمي، مشددة على جاهزية جيشها للدفاع عن مصالح البلاد، وذلك في خضم جولة جديدة من المحادثات غير المباشرة مع الولايات المتحدة حول الملف النووي. وعلى الرغم من الأجواء الإيجابية التي سادت الجولة الثانية من هذه المحادثات التي عُقدت في جنيف مؤخرًا، إلا أن بعض “الخطوط الحمراء” الإيرانية لا تزال ثابتة، مما يعكس تعقيد المشهد الدبلوماسي.

في هذا السياق، جدد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان التأكيد على أن بلاده “لا تسعى إطلاقًا إلى السلاح النووي، لكنها لن تتخلى عن الصناعة النووية السلمية”. وأوضح بزشكيان في مقابلة تلفزيونية أن طهران “مستعدة لأية عملية تحقق تريدها أمريكا حول سلمية برنامجها النووي”، مؤكدًا أن إيران “ليست بأية حال من الأحوال بصدد امتلاك سلاح نووي”. هذه التصريحات تأتي لتعزيز الموقف الإيراني الرسمي الذي طالما أكد على الطبيعة السلمية لبرنامجها النووي، في مواجهة المخاوف الدولية بشأن أهدافه الحقيقية.

من جانبها، أكدت المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية، فاطمة مهاجراني، أن السلطات تتبع مسارًا متوازنًا يجمع بين التفاوض والجاهزية الدفاعية لحماية المصالح الوطنية والأمن القومي. وأضافت مهاجراني، في تصريحات أدلت بها بعد جلسة وزارية في طهران لمناقشة نتائج المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة، أن الجيش الإيراني في حالة تأهب قصوى بالتزامن مع سير المفاوضات. واعتبرت أن “التفاوض والجاهزية الدفاعية استراتيجيتان مكملتان لصون مصالح البلاد ويتم اتباعهما بالتوازي”، مما يشير إلى نهج مزدوج يهدف إلى تحقيق الأهداف الدبلوماسية مع الحفاظ على القدرة على الردع.

الخلفية التاريخية للبرنامج النووي الإيراني

يعود تاريخ البرنامج النووي الإيراني إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما بدأت إيران، بدعم من الولايات المتحدة في إطار برنامج “الذرة من أجل السلام”، في تطوير قدراتها النووية. بعد الثورة الإسلامية عام 1979، توقف التعاون الدولي لفترة، ثم استؤنف البرنامج بشكل مستقل، مما أثار قلق المجتمع الدولي، خاصة بعد الكشف عن أنشطة نووية غير معلنة في أوائل الألفية الثالثة. تصاعدت هذه المخاوف مع اكتشاف مواقع تخصيب اليورانيوم ومفاعلات المياه الثقيلة، مما دفع مجلس الأمن الدولي إلى فرض عقوبات على طهران.

في محاولة لاحتواء هذا الملف، انخرطت إيران في مفاوضات مطولة مع مجموعة 5+1 (الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا)، والتي أدت إلى توقيع الاتفاق النووي التاريخي، خطة العمل الشاملة المشتركة (JCPOA)، في عام 2015. نص الاتفاق على رفع العقوبات الدولية عن إيران مقابل قيود صارمة على برنامجها النووي، بما في ذلك تخفيض مخزون اليورانيوم المخصب، وتقليل عدد أجهزة الطرد المركزي، والسماح بعمليات تفتيش دولية مكثفة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذرية. إلا أن هذا الاتفاق تعرض لانتكاسة كبيرة عندما انسحبت الولايات المتحدة منه في عام 2018 تحت إدارة الرئيس دونالد ترامب، وأعادت فرض عقوبات مشددة على إيران. ردت طهران بتقليص تدريجي لالتزاماتها بموجب الاتفاق، مما أدى إلى تصاعد التوترات وتجدد المخاوف بشأن قدرتها على تطوير أسلحة نووية.

أهمية الحدث وتأثيراته المتوقعة

إن استمرار المحادثات النووية، حتى لو كانت غير مباشرة، يحمل أهمية بالغة على عدة مستويات. على الصعيد الإقليمي، يمثل البرنامج النووي الإيراني نقطة توتر رئيسية في الشرق الأوسط. فدول مثل إسرائيل والمملكة العربية السعودية تنظر إليه بعين القلق، خشية من سباق تسلح نووي محتمل في المنطقة. أي تقدم نحو حل دبلوماسي يمكن أن يخفف من هذه التوترات ويعزز الاستقرار الإقليمي، بينما فشل المفاوضات قد يؤدي إلى تصعيد عسكري أو دبلوماسي أوسع نطاقًا.

أما على الصعيد الدولي، فإن مصير الاتفاق النووي الإيراني يؤثر بشكل مباشر على نظام عدم انتشار الأسلحة النووية العالمي. فنجاح الدبلوماسية في إبقاء إيران ضمن إطار القيود النووية يعزز مصداقية هذا النظام، في حين أن انهيار الاتفاق قد يشجع دولًا أخرى على السعي لامتلاك قدرات نووية. كما أن التطورات في هذا الملف تؤثر على أسواق الطاقة العالمية، حيث أن رفع العقوبات عن إيران يمكن أن يعيد كميات كبيرة من النفط الإيراني إلى السوق، مما يؤثر على الأسعار. وتلعب القوى الكبرى، وخاصة الدول الأوروبية، دورًا حاسمًا في محاولة إنقاذ الاتفاق أو التوصل إلى صيغة جديدة، نظرًا لمصالحها الأمنية والاقتصادية.

داخليًا في إيران، يرتبط الملف النووي ارتباطًا وثيقًا بالوضع الاقتصادي والسياسي. فالعقوبات الدولية المفروضة بسبب البرنامج النووي أدت إلى تدهور اقتصادي كبير، مما يضغط على الحكومة لإيجاد حل دبلوماسي. أي اتفاق يرفع العقوبات يمكن أن يحقق انفراجة اقتصادية كبيرة، ويعزز الشرعية الداخلية للنظام. في المقابل، فإن الفشل في التوصل إلى اتفاق قد يؤدي إلى مزيد من العزلة الدولية وتفاقم الأوضاع الاقتصادية، مما قد يثير استياءً شعبيًا. تصريحات الرئيس بزشكيان والمتحدثة باسم الحكومة تعكس هذا التوازن الدقيق بين الحفاظ على “الخطوط الحمراء” الوطنية والسعي نحو حل دبلوماسي يخدم مصالح البلاد العليا.

spot_imgspot_img