في ليلة ثقافية استثنائية تدثرت بعباءة النقد واستشراف المستقبل، اختتمت فعاليات ملتقى قراءة النص 22 الذي ينظمه نادي جدة الأدبي الثقافي. شهد اليوم الثاني من الملتقى جلسات نقدية عميقة وضعت «آفاق الأدب السعودي في ظل رؤية 2030» تحت مجهر التحليل وبوصلة الإبداع، لتؤكد أن المشهد الثقافي في المملكة يعيش أزهى عصوره.
جذور الإبداع: نادي جدة الأدبي ومسيرة التنوير الثقافي
يُعد نادي جدة الأدبي الثقافي، الذي تأسس في عام 1975م، واحداً من أعرق المؤسسات الثقافية في المملكة العربية السعودية. ومنذ انطلاقته، أخذ النادي على عاتقه مسؤولية إثراء الحراك الثقافي والأدبي. ويأتي ملتقى قراءة النص امتداداً لتاريخ طويل من الجلسات النقدية التي بدأت نسختها الأولى قبل أكثر من عقدين، لتشكل منصة رائدة تجمع كبار النقاد والأدباء والمفكرين. لقد أسهم هذا الملتقى عبر تاريخه في توثيق التحولات الأدبية، وقراءة المشهد الثقافي السعودي بعين فاحصة، مما جعله موعداً سنوياً يترقبه المثقفون لرصد نبض الإبداع وتطور أدواته عبر الأجيال المختلفة.
الأثر الإستراتيجي: كيف يعيد ملتقى قراءة النص 22 صياغة المشهد الإقليمي؟
تتجاوز أهمية هذا الحدث الثقافي حدود المحلية لتصنع تأثيراً إقليمياً ودولياً ملموساً. إن تسليط الضوء على الأدب السعودي في ظل رؤية 2030 يعكس القوة الناعمة للمملكة، ويبرز قدرة المثقف السعودي على مواكبة التطورات المتسارعة. إقليمياً، يُقدم الملتقى نموذجاً يُحتذى به في كيفية دمج التراث الأصيل مع الحداثة، بينما يسهم دولياً في تصدير الثقافة السعودية وتقديمها للعالم بصورة تليق بعمقها التاريخي وتطلعاتها المستقبلية. هذا التوجه يعزز من مكانة المملكة كمركز إشعاع ثقافي وحضاري في الشرق الأوسط.
قائد الرؤية في مرآة القصيدة: من المديح إلى الرمزية
بألق خاص، استدعت الجلسة الثالثة صورة ملهم النهضة؛ حيث قدم الدكتور زاهر الفيفي (عبر ورقة ألقاها نيابة عنه الدكتور عبدالرحمن العتل) قراءة عميقة لـ«صورة قائد الرؤية في الخطاب الشعري السعودي المعاصر». كشف البحث عن تحول جذري في الوعي الشعري؛ فلم يعد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في القصيدة السعودية مجرد موضوع للمديح التقليدي، بل استحال رمزاً للنهضة، واستشرافاً للمستقبل، ومحركاً للتنمية، في لغة تعيد صياغة مفهوم القيادة شعرياً.
تضاريس الهايكو السعودي وشجن الزجاج
ارتحل الدكتور محمد بن راضي الشريف خلف خُطى «الهايكو السعودي»، متتبعاً تجاذب الفن بين ريادة خيرية السقاف وتأصيل حيدر العبدالله. وأكد أن هذا الفن الياباني العريق بدأ ينبت بذوراً محلية بامتياز، مبيئةً الرمز واللغة في تربة الوطن. ومن بوابة الوجود وفلسفة المكان، سكب الدكتور عادل خميس الزهراني رؤيته حول «زجاج» أحمد السيد عطيف، واصفاً علاقة الشاعر بمدينة جازان بأنها «سجال بين العتب والاعتذار»؛ حيث لم يعد المكان مجرد مسرح للأحداث، بل بطلاً تراجيدياً يحاور الغائب العائد بعد عقود.
الأدب في الفضاء الرقمي وعصر الاتصال السريع
لم يغب «العالم السائل» عن أروقة الملتقى؛ إذ شرّح الدكتور أحمد مخضور من جامعة الملك عبدالعزيز «إستراتيجيات التأثير» الرقمي. وكشف كيف تحوّل النص الأدبي السعودي في منصات التواصل من جمالية البنية إلى ديناميكية التداول، حيث باتت «الجاذبية والمكانة والقيم الاجتماعية» هي المحركات الجديدة لانتشار الأدب في عصر الاتصال السريع.
هكذا، جسّد الملتقى في يومه الثاني حواراً مفتوحاً بين الأصالة والتحول، معلناً أن الأدب السعودي ليس مراقباً للرؤية فحسب، بل هو شريك أساسي في صياغة وجدانها وتوثيق منجزاتها للأجيال القادمة.


