الأب، تلك الكلمة التي تحمل في طياتها معاني عميقة من الحب والتضحية والعطاء اللامحدود. في كل ثقافة، يمثل الأب ركيزة أساسية للعائلة، ومصدرًا للقوة والإلهام. وفي هذا السياق، تبرز صورة الأب كشخصية محورية، تجسد قيم العمل الجاد والحكمة الصامتة التي تتوارثها الأجيال. إنها قصة رجل من تراب الجنوب، من جذور تشق الرمال كالنخلة التي لا تكل، يروي بوجوده حكاية صمود وعطاء لا ينضب.
كان الأب رجلاً بسيطًا في مظهره، عميقًا في جوهره. امتهن مهنة تشبه قلبه، فكان يشوي اللحم في أسواق القرى، يقدم من جسده كل نهار، وكأنه يمنح جزءًا من روحه لكل من حوله. هذه الصورة ليست مجرد وصف لمهنة، بل هي استعارة للتفاني المطلق في سبيل توفير لقمة العيش لأسرته. لم يأخذ من الحياة إلا ما منحته الشمس للحجر، في إشارة إلى قناعته ورضاه بما قسم له، وإلى صلابته وقدرته على تحمل قسوة الظروف. هذه التضحية هي سمة عالمية للأبوة، حيث يضع الآباء احتياجات أبنائهم فوق كل اعتبار، ويعملون بلا كلل لضمان مستقبل أفضل لهم.
كان يرتدي جلابيب بلون الأرض حين تمطر، وعيناه تحدثان عن تعب قديم لا يحتاج إلى كلمات. هذه النظرة الثاقبة، التي تحمل قصصًا من الكدح والصبر، هي مرآة لروح الأب الذي يفضل الفعل على القول، والذي يعلم أبناءه دروس الحياة من خلال مثاله الصامت. في المساء حين يعود، كانت الجمرات تتنفس من راحته، ويستلقي وكأنه يستلهم ألحانًا ريفية عتيقة، كما لو أن الحياة وجدت لتغني له. هذا الهدوء الذي يسبق العاصفة، أو بالأحرى، الهدوء الذي يتبع يومًا شاقًا، يعكس قدرته على إيجاد السكينة في خضم التحديات.
لم يكن إيمانه مجرد طقوس ظاهرة، بل كان يتعبد مع شيخ الموحدين بشفتين لاهيتين، كأنها صلواته التي لا يقبلها الجهر. هذا الجانب الروحي العميق يبرز نقاء سريرته وصدق توجهه، بعيدًا عن الرياء والتظاهر. كانت له مرادفات طريقية لم أكن أعرف كيف تأتي إلى البال، كأنها تنام في دمه منذ الأزل. هذه الحكمة الفطرية، التي لا تكتسب من الكتب بل تتجذر في الروح، هي ما يميز الآباء العظماء الذين يمتلكون بصيرة نافذة وفهمًا عميقًا للحياة.
كان يضحك من قلبه، كأن الضحك فاكهة تقطف من الغصن. هذا الضحك الصادق، الذي ينبع من أعماق الروح، كان يضيء حياة أبنائه الثلاثة، الذين أحبوه حبًا جمًا. لقد كان يحرس الظلال التي تحرسهم، ويجعلهم يعبرون النهارات دون أن يعرفوا أين يمضون، في إشارة إلى شعورهم بالأمان والحماية تحت كنفه. الأب هو السند الذي يوفر الأمان لأسرته، وهو المرشد الذي يضيء دروب أبنائه حتى في أحلك الظروف.
في الثقافة العربية، يحظى الأب بمكانة رفيعة كرب للأسرة، ومصدر للحكمة والقرار. تاريخيًا، كان الأب هو المربي الأول، والمعلم الذي ينقل القيم والتقاليد من جيل إلى جيل. هذه المكانة لا تزال قائمة حتى اليوم، حيث يمثل الأب القدوة الحسنة والمثال الذي يحتذى به. تأثير الأب لا يقتصر على نطاق الأسرة فحسب، بل يمتد ليشمل المجتمع بأسره. فالأب الذي يربي أبناءه على الأخلاق الحميدة والعمل الجاد، يساهم في بناء مجتمع قوي ومتماسك.
لقد علمني أبي منطق الجمر في اليد، وكيف يلتهب الجمر في القلب أحيانًا. هذه الدروس الحياتية، التي تتجاوز الكلمات، هي الإرث الحقيقي الذي يتركه الآباء لأبنائهم. إنها القدرة على الصبر، على التحمل، وعلى إيجاد الدفء في أصعب الظروف. ومن يشوي اللحم للناس، لا بد أن يترك قطعة صغيرة من القصيدة، لتؤكل ساخنة مع شاي ساخن، قبل أن يبرد الوقت. هذه الخاتمة الشعرية تلخص جوهر الأبوة: العطاء المستمر، وترك أثر جميل يدوم، ودفء لا يمحوه الزمن. إنها دعوة للاحتفاء بذكراهم وتقدير تضحياتهم التي لا تقدر بثمن.


