spot_img

ذات صلة

الحرب على إيران: صراع طويل الأمد وتحوط إستراتيجي أمريكي

مقدمة: هل تقترب الحرب على إيران؟

في ظل التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، توقعت مجلة «تايم» الأمريكية في تحليل معمق لها أن الحرب على إيران، في حال اندلاعها، لن تكون قصيرة الأمد كما قد يوحي بعض الخطاب السياسي الموجه للرأي العام. بل على العكس، تشير المعطيات إلى أن أي مواجهة عسكرية قد تتحول إلى صراع طويل الأمد وشديد التعقيد، تتداخل فيه الحسابات العسكرية، والسياسية، والاقتصادية على مستوى إقليمي وعالمي.

السياق التاريخي: عقود من التوتر بين واشنطن وطهران

لفهم طبيعة هذا الصراع المحتمل، يجب النظر إلى الخلفية التاريخية للحدث. منذ اندلاع الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، اتسمت العلاقات بين واشنطن وطهران بالعداء المستمر وحروب الوكالة. وقد أثبتت طهران قدرتها على خوض صراعات طويلة، ولعل أبرز مثال تاريخي هو الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، والتي استمرت لثماني سنوات متواصلة. وتؤكد بيانات مشروع «ارتباطات الحرب» الأمريكي أن معظم الحروب بين الدول في القرنين الماضيين كانت قصيرة نسبياً (لا تتجاوز 5 أشهر)، إلا أن الحروب التي تشمل أطرافاً ذات عقيدة قتالية وجغرافيا معقدة، مثل الحرب في أوكرانيا التي دخلت عامها الثالث، تشكل استثناءات بارزة تؤكد القاعدة.

التحوط الإستراتيجي وتصريحات ترامب

لفت التحليل إلى التناقض الظاهري في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والذي وصف الحرب بدقة في بدايتها قائلاً إنها «لن تكون سريعة»، محذراً من خسائر أمريكية محتملة. لكنه عاد لاحقاً ليصرح بأن الحرب قد تستمر من 4 إلى 5 أسابيع، ثم أضاف في مقابلة مع موقع «أكسيوس» أنه يستطيع إنهاءها في أي وقت يريده. يرى الخبراء أن هذه التصريحات تعكس ما يُعرف بـ «التحوط الإستراتيجي»، حيث تحاول الإدارة الأمريكية التلميح بإمكانية تحقيق نصر سريع لرفع المعنويات، بينما تهيئ الرأي العام في الوقت ذاته لاحتمالية التورط في صراع أطول بكثير إن لزم الأمر.

استبعاد انهيار النظام الإيراني

من أبرز النقاط التي تركز عليها الإستراتيجية الأمريكية هي تحديد الأهداف: هل هو كبح الطموحات النووية أم إسقاط النظام؟ وفقاً للمراقبين، فإن خيار إسقاط النظام يبدو مستبعداً للغاية. النظام الإيراني ليس مجرد حكومة تقليدية، بل هو شبكة معقدة من المؤسسات السياسية، والأمنية، والاقتصادية الواسعة المدعومة بعائدات النفط وعلاقات دولية تراكمت على مدى عقود. تاريخياً، أثبت النظام مرونته في مواجهة الأزمات الكبرى واغتيال القيادات البارزة، حيث يمتلك آليات دستورية تضمن انتقال السلطة بسلاسة إلى قيادات بديلة، مما يجعل الضربات الجوية، مهما بلغت قوتها، غير كافية لكسر إرادة الدولة أو تفكيك بنيتها التحتية بالكامل.

التأثير الإقليمي والدولي للحرب المحتملة

إن أهمية الحدث وتأثيره المتوقع يتجاوز الحدود الإيرانية ليطال الاقتصاد والأمن العالميين. إقليمياً، ستؤدي الحرب على إيران إلى اشتعال جبهات متعددة، مما يهدد أمن الملاحة في الممرات المائية الإستراتيجية التي يمر عبرها جزء كبير من إمدادات الطاقة العالمية. دولياً، تتشابك خيوط الأزمة مع التحالفات الجيوسياسية الجديدة؛ حيث تشير التقارير إلى وجود دعم استخباراتي روسي وتكنولوجي صيني لطهران، في خطوة تبدو كرد فعل على الدعم الأمريكي لأوكرانيا في تصديها للمسيرات الإيرانية التي تستخدمها موسكو.

خلاصة: معضلة صناع القرار

في النهاية، يضع هذا الغموض في الأهداف الإستراتيجية صناع القرار في واشنطن وتل أبيب أمام سؤال حاسم ومصيري: هل تستحق الأهداف المنشودة التكلفة الباهظة لحرب استنزاف شاملة في منطقة شديدة الحساسية؟ إن غياب إستراتيجية خروج واضحة قد يجعل من السهل بدء الحرب، لكن من الصعب جداً التنبؤ بكيفية إنهائها.

spot_imgspot_img