ترمب في دافوس 2026: معجزة اقتصادية أمريكية والطاقة الخضراء ‘خدعة تاريخية’
في خطاب ناري ألقاه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب خلال فعاليات المنتدى الاقتصادي العالمي 2026 في دافوس، أعلن عن نمو اقتصادي سريع للولايات المتحدة منذ عودته المحتملة إلى الرئاسة، مؤكداً أن البلاد حققت ما وصفه بـ«معجزة اقتصادية». هذه التصريحات تعكس رؤيته الطموحة لمستقبل أمريكا، مستندة إلى فلسفته الاقتصادية التي طالما ركزت على النمو الداخلي وتقليص التدخلات الخارجية.
السياق العام والخلفية التاريخية
يُعد المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس منصة عالمية مرموقة تجمع قادة الدول ورجال الأعمال والاقتصاديين لمناقشة التحديات والفرص العالمية. اختيار ترمب لهذا المحفل في عام 2026، وهو سيناريو افتراضي لعودته إلى السلطة، يؤكد رغبته في إيصال رسالته الاقتصادية والسياسية إلى جمهور عالمي مؤثر. خلال ولايته الرئاسية الأولى (2017-2021)، تبنى ترمب سياسات اقتصادية تميزت بتخفيضات ضريبية كبيرة (مثل قانون التخفيضات الضريبية والوظائف لعام 2017)، وإلغاء القيود التنظيمية، وحرب تجارية مع الصين، بهدف تحفيز النمو وخلق الوظائف. وقد أدت هذه السياسات إلى فترات من النمو الاقتصادي القوي وانخفاض معدلات البطالة قبل جائحة كوفيد-19، وهو ما استند إليه في وصفه لـ«المعجزة الاقتصادية».
رؤية ترمب الاقتصادية: نمو واستثمارات
أوضح ترمب أن خططه الاقتصادية لم تتسبب في ركود عالمي، وهو ادعاء يهدف إلى تبديد المخاوف التي قد تنشأ عن سياساته الحمائية. وأشار إلى أن الولايات المتحدة ستحصل على نحو 20 تريليون دولار من الاستثمارات، مما يعكس طموحه في جذب رؤوس الأموال الأجنبية وتشجيع الاستثمار المحلي. هذه الأرقام، وإن كانت ضخمة، تتماشى مع تركيزه على إعادة توطين الصناعات وتعزيز القدرة التنافسية الأمريكية. كما أكد أن الأسواق الأمريكية سجلت 52 مستوى قياسياً منذ الانتخابات، متوقعاً أن يتضاعف سوق الأسهم خلال فترة زمنية قصيرة، مما يعكس ثقته في قوة الاقتصاد الأمريكي تحت قيادته.
الطاقة: نووية أم خضراء؟
فيما يتعلق بقطاع الطاقة، أشار ترمب إلى أن التقدم في مجال الطاقة النووية يدفعه لاكتشاف الفرص المتاحة فيها، وهي طاقة نظيفة ومستقرة. وفي المقابل، وصف الطاقة الخضراء الجديدة بأنها «أكبر خدعة في التاريخ». هذا الموقف ليس جديداً على ترمب، الذي لطالما عبر عن تشككه في جدوى وفعالية سياسات الطاقة المتجددة، مفضلاً التركيز على مصادر الطاقة التقليدية مثل النفط والغاز الطبيعي والفحم، والتي يرى أنها تضمن استقلال أمريكا في مجال الطاقة. خلال ولايته الأولى، انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق باريس للمناخ، مما يعكس أولوياته في هذا القطاع. وقد أعلن ترمب أنه أوقف سياسات الطاقة التي نفذتها إدارة بايدن، مشيراً إلى أن إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة عند مستويات قياسية، مما يعزز أجندته لـ«هيمنة الطاقة».
التضخم، التجارة، والرسوم الجمركية
تطرق ترمب إلى قضية التضخم، مشيراً إلى غيابه في الولايات المتحدة رغم النمو الاقتصادي المحقق تحت إدارته، ومعتبراً أن البلاد عانت «كابوس التضخم» في عهد الرئيس السابق جو بايدن. هذا الطرح يضع سياساته في مواجهة مباشرة مع التحديات الاقتصادية العالمية الأخيرة. وأكد أن النمو الاقتصادي يحارب التضخم ولا يسببه، وهو رأي يختلف عن النظريات الاقتصادية التقليدية التي ترى أن النمو المفرط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية، مما يدفع البنوك المركزية لرفع أسعار الفائدة. كما أشار إلى أن إدارته قلصت العجز التجاري القياسي في الولايات المتحدة بعد تطبيق الرسوم الجمركية، مؤكداً أنه خفّض العجز التجاري بنسبة 77% خلال عام واحد، وأن الصادرات الأمريكية ارتفعت. هذه السياسات الحمائية، التي كانت سمة بارزة لولايته الأولى، تهدف إلى حماية الصناعات المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات، على الرغم من الجدل حول فعاليتها وتأثيرها على العلاقات التجارية الدولية.
الذكاء الاصطناعي، العملات المشفرة، والإصلاح الحكومي
في مجال التكنولوجيا، أكد ترمب أن الولايات المتحدة تقود التقدم العالمي في مجال الذكاء الاصطناعي، متفوقة على الصين، مع التشديد على ضرورة اليقظة بسبب مخاطر الذكاء الاصطناعي. كما عبر عن رغبته في أن تكون أمريكا عاصمة العملات المشفرة في العالم، معلناً توقيع أمر تنفيذي يمنع المستثمرين من المؤسسات من شراء المنازل السكنية، وتطلعه إلى إقرار مزيد من القوانين الداعمة للعملات المشفرة. هذه المواقف تشير إلى اهتمامه بالتقنيات الناشئة ورغبته في تشكيل بيئة تنظيمية مواتية لها. وعلى صعيد الإصلاح الحكومي، نوه إلى أن إدارته قامت بتسريح 270 ألف موظف بيروقراطي في الحكومة بهدف تنشيط التنافسية، واصفاً ما تحقق بأنه إنجاز لا تستطيع دولة أخرى تنفيذه.
التأثير المتوقع
تصريحات ترمب في دافوس 2026 تحمل أهمية كبيرة، ليس فقط لأنها تعكس رؤيته الاقتصادية والسياسية، بل لأنها قد تشكل ملامح السياسة الأمريكية في حال عودته إلى الرئاسة. محلياً، يمكن أن تؤدي هذه السياسات إلى تحولات جذرية في الاقتصاد، من خلال التركيز على الصناعات المحلية، وتغيير السياسات الضريبية، وإعادة تقييم دور الطاقة المتجددة. إقليمياً ودولياً، قد تؤثر رؤيته على العلاقات التجارية، والتحالفات الجيوسياسية، والجهود العالمية لمكافحة تغير المناخ. فالتأكيد على «الحماية الأمريكية» كضرورة لتجنب «تهديد لا يمكن تصوره» يعكس نهجاً في السياسة الخارجية يركز على القوة والمصالح الذاتية، مما قد يعيد تشكيل النظام العالمي.


