ترمب يؤكد قرب التوصل لاتفاق مع الناتو حول مستقبل غرينلاند وسط تساؤلات جيوسياسية
أكد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب أن الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) كانا يتجهان نحو التوصل إلى اتفاق بشأن مستقبل جزيرة غرينلاند، بما يحقق مصالح جميع الأطراف المعنية. جاءت هذه التصريحات في سياق حراك دبلوماسي مكثف، حيث أشار ترمب، خلال مؤتمر صحفي عُقد آنذاك على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي في سويسرا، إلى وجود “اجتماعات عديدة مقررة بشأن غرينلاند”، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية التي توليها واشنطن لهذه القضية.
الخلفية التاريخية والأهمية الاستراتيجية لغرينلاند
تُعد جزيرة غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، إقليماً يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وتحظى بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية. لطالما أبدت الولايات المتحدة اهتماماً استراتيجياً بالجزيرة، يعود تاريخه إلى ما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حاولت واشنطن في عام 1946 شراء غرينلاند من الدنمارك مقابل 100 مليون دولار، وذلك بعد أن كانت قد عرضت في عام 1867 شراءها أيضاً. هذا الاهتمام المتجدد في عهد ترمب لم يكن مفاجئاً بالنظر إلى موقعها الفريد الذي يربط بين المحيط الأطلسي والقطب الشمالي، مما يجعلها نقطة محورية في الملاحة الدولية والدفاع الصاروخي. كما تضم الجزيرة قاعدة ثول الجوية الأمريكية، وهي منشأة دفاعية حيوية تابعة للقيادة الفضائية الأمريكية، وتلعب دوراً محورياً في نظام الإنذار المبكر بالصواريخ الباليستية.
تداعيات مقترح الضم وتأثيره على العلاقات الدولية
أوضح الرئيس الأمريكي آنذاك أنه لا يعتقد أن الدول الأوروبية ستتخلى عن التزاماتها الاستثمارية تجاه الولايات المتحدة، حتى في حال اتخاذه خطوات تتعلق بضم الجزيرة، مؤكداً أن العلاقات عبر الأطلسي ستظل قائمة على المصالح المشتركة. هذه التصريحات جاءت ضمن خطاب مطوّل ألقاه في البيت الأبيض، تناول فيه عدداً من القضايا السياسية والاقتصادية الدولية. وعند سؤاله عن مدى استعداده للمضي قدماً في ضم غرينلاند، رد ترمب قائلاً: «ستعرفون ذلك بأنفسكم»، دون تقديم تفاصيل إضافية، مما أثار تكهنات واسعة حول نوايا إدارته.
تزامنت هذه التصريحات مع يوم هيمنت فيه السياسة الخارجية الأمريكية على نقاشات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث اتهم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الولايات المتحدة بمحاولة إضعاف أوروبا وإخضاعها، فيما توعدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين برد حازم على تهديدات ترمب بفرض تعريفات جمركية. هذه التوترات كشفت عن عمق الخلافات بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين، وأضافت طبقة من التعقيد إلى أي محادثات تتعلق بمستقبل غرينلاند.
مستقبل غرينلاند في ظل التحديات الجيوسياسية
في رده على سؤال أحد الصحفيين حول إعلان سكان غرينلاند عدم رغبتهم في الانضمام إلى الولايات المتحدة، قال ترمب إنه واثق من أن سكان الجزيرة «سيكونون سعداء بذلك» عندما يتحدث إليهم بشكل مباشر. ومع ذلك، فإن حكومة غرينلاند المحلية، وكذلك الحكومة الدنماركية، رفضت بشكل قاطع أي فكرة لبيع الجزيرة، مؤكدة أن غرينلاند ليست للبيع. هذه المواقف تعكس حساسية القضية وأهمية حق تقرير المصير لشعب غرينلاند.
تكتسب غرينلاند أهمية متزايدة في ظل التغيرات المناخية التي تفتح ممرات ملاحية جديدة في القطب الشمالي، مما يعزز من قيمتها الاقتصادية والاستراتيجية. كما أن مواردها الطبيعية غير المستغلة، مثل المعادن النادرة والنفط والغاز، تجعلها محط أنظار القوى الكبرى. إن أي اتفاق حول مستقبلها سيكون له تأثيرات عميقة ليس فقط على سكانها وعلى الدنمارك والولايات المتحدة، بل أيضاً على التوازن الجيوسياسي في منطقة القطب الشمالي ككل، حيث تتزايد المنافسة بين القوى العالمية مثل روسيا والصين. وبالتالي، فإن المحادثات حول غرينلاند تتجاوز مجرد صفقة عقارية لتصبح جزءاً من لعبة شطرنج دولية معقدة.


