في ظل ترقب عالمي وقلق متزايد، ومع تسارع وتيرة الوساطات الدبلوماسية، يحبس العالم أنفاسه بانتظار القرار الحاسم الذي قد يتخذه الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بشأن إيران. يأتي هذا الترقب بعد انقضاء مهلة زمنية غير محددة كان قد منحها ترمب لطهران، مؤكداً أن توقيتها معلوم لإيران وحدها، مما يعكس استراتيجية الغموض التي اتبعها في تعامله مع هذا الملف الشائك.
تعود جذور التوتر الحالي بين الولايات المتحدة وإيران إلى عقود مضت، لكنها تصاعدت بشكل حاد خلال فترة رئاسة دونالد ترمب. ففي عام 2018، انسحبت الإدارة الأمريكية من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) الذي كان قد أبرم عام 2015، معتبرةً إياه غير كافٍ للحد من طموحات إيران النووية وبرنامجها الصاروخي ونفوذها الإقليمي. أعقب هذا الانسحاب فرض حملة “أقصى ضغط” من العقوبات الاقتصادية القاسية التي استهدفت قطاعات حيوية في الاقتصاد الإيراني، بما في ذلك صادرات النفط، بهدف إجبار طهران على إعادة التفاوض على اتفاق جديد يشمل قيوداً أوسع وأكثر صرامة. وقد أدت هذه السياسة إلى تفاقم الأوضاع الاقتصادية في إيران وزيادة حدة التوترات الأمنية في منطقة الخليج، مع وقوع حوادث متعددة استهدفت ناقلات نفط ومنشآت حيوية، بالإضافة إلى إسقاط طائرة مسيرة أمريكية.
وسط هذه الأجواء المشحونة، ومع وصول تعزيزات عسكرية أمريكية، بما في ذلك سفن حربية وطائرات، إلى المنطقة، كشف مسؤولون أمريكيون عن مجموعة من الخيارات الهجومية المحتملة التي وُضعت على طاولة الرئيس ترمب. هذه الخيارات، التي تم تطويرها بالتعاون بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع (البنتاغون)، تهدف إلى تحقيق أهداف استراتيجية محددة دون الانزلاق إلى صراع طويل الأمد في الشرق الأوسط، وهو ما كان ترمب حريصاً على تجنبه.
تضمنت المناقشات حول الأهداف الرئيسية لأي ضربات محتملة ثلاثة محاور أساسية، أو مزيجاً منها: استهداف البرنامج النووي الإيراني لتقويض قدراته، ضرب ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية التي تعتبر تهديداً إقليمياً، أو السعي لإحداث انهيار في الحكومة الإيرانية. وقد أكد المسؤولون أن ترمب طلب خيارات هجومية سريعة وحاسمة، مع التركيز على توجيه ضربة قوية للنظام الإيراني تجبره على الرضوخ للمطالب الأمريكية المتعلقة ببرنامجه النووي ووقف دعمه للمعارضين الإقليميين. كما لم تستبعد بعض المناقشات إمكانية شن حملة قصف عقابية واسعة النطاق قد تؤدي إلى الإطاحة بالحكومة الحالية.
في سياق هذه الاستراتيجية، بحث ترمب وفريقه إمكانية استخدام التهديد بالقوة العسكرية كوسيلة لانتزاع تنازلات دبلوماسية من طهران. ورغم تصريحاته المتكررة بأن إيران لن تمتلك سلاحاً نووياً، تعمّد ترمب إبقاء أهدافه الاستراتيجية وتفكيره العسكري غامضين، وهي سياسة تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة عدم يقين. من بين الخيارات التي تم تداولها، برزت “الخطة الكبرى” التي كانت تتضمن شن حملة قصف واسعة النطاق تستهدف منشآت تابعة للنظام الإيراني والحرس الثوري. وفي المقابل، نوقشت خيارات أخرى أكثر محدودية، تركز على توجيه ضربات لأهداف رمزية للنظام، مع ترك مجال لتصعيد الهجمات لاحقاً إذا لم تستجب طهران للمطالب الأمريكية.
إن أي عمل عسكري ضد إيران يحمل في طياته تداعيات إقليمية ودولية خطيرة. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي التصعيد إلى زعزعة استقرار منطقة الخليج بأكملها، مما يؤثر على حركة الملاحة الدولية في مضيق هرمز الحيوي، ويرفع أسعار النفط العالمية بشكل كبير. كما قد يشعل صراعات بالوكالة في دول مجاورة، ويزيد من حدة التوترات بين القوى الإقليمية. دول الخليج العربي، التي تربطها علاقات معقدة مع إيران، ستكون في صلب أي تداعيات محتملة، مما يستدعي جهوداً دبلوماسية مكثفة لتجنب الانزلاق إلى حرب شاملة.
على الصعيد الدولي، قد يؤدي الصراع إلى انقسامات بين القوى الكبرى، حيث تسعى بعض الدول الأوروبية وروسيا والصين إلى الحفاظ على الاتفاق النووي وتجنب التصعيد العسكري. كما أن أي تغيير في النظام الإيراني، سواء كان نتيجة لضربة عسكرية أو ضغط داخلي، يحمل معه قدراً كبيراً من عدم اليقين. وقد أقر مسؤولون أمريكيون، بمن فيهم وزير الخارجية السابق ماركو روبيو، بصعوبة التنبؤ بما سيحدث في إيران في حال إزاحة المرشد الأعلى علي خامنئي. فاحتمال تولي قادة من الحرس الثوري السلطة قد لا يؤدي بالضرورة إلى حكومة أكثر ودية، بل قد يعمق النهج المتشدد، مما يجعل أي سيناريو ما بعد الضربة العسكرية محفوفاً بالمخاطر وغير مضمون النتائج.
لذلك، تظل الدبلوماسية والوساطات الدولية هي المسار المفضل للعديد من الأطراف لتخفيف حدة التوتر والبحث عن حلول سلمية تضمن الأمن والاستقرار في المنطقة، بعيداً عن شبح المواجهة العسكرية التي قد تكون عواقبها كارثية على الجميع.


