وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجولة الأولى من المحادثات غير المباشرة مع إيران بأنها «جيدة جداً»، مؤكداً أن طهران «تريد التوصل إلى اتفاق بشدة». ومع ذلك، لم يتردد في التهديد بأن الولايات المتحدة لا تستبعد الخيار العسكري إذا فشلت الدبلوماسية، مكرراً تحذيراته بشأن تحرك «أسطول أمريكي كبير» باتجاه المنطقة، ومشدداً على أن «عواقب وخيمة» ستحدث في حال عدم التوصل إلى تفاهم.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي معقد للعلاقات الأمريكية الإيرانية، خاصة بعد انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018. كان الاتفاق، الذي وقع عام 2015 بين إيران والقوى العالمية الكبرى، يهدف إلى تقييد برنامج إيران النووي مقابل رفع العقوبات الدولية. اعتبر الرئيس ترمب هذا الاتفاق «أسوأ صفقة على الإطلاق»، وبدأ حملة «الضغط الأقصى» التي تضمنت إعادة فرض عقوبات اقتصادية صارمة على طهران، بهدف إجبارها على التفاوض على اتفاق جديد يشمل قضايا أوسع من مجرد الملف النووي.
في تصريحاته للصحفيين على متن الطائرة الرئاسية، مساء الجمعة، أكد ترمب أن واشنطن منفتحة على التوصل إلى صفقة جديدة «مختلفة عما طُرح في السابق»، لكنه حذر من أن «أموراً سيئة قد تحدث» في حال عدم التوصل إلى تفاهم. وأضاف: «سنلتقي مرة أخرى في وقت مبكر من الأسبوع القادم، وهم يريدون إبرام اتفاق، إنهم يعرفون العواقب إذا لم يفعلوا ذلك. وإذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، فستكون العواقب قاسية جداً. لذا سنرى ما الذي سيحدث».
على الصعيد الدبلوماسي، لم يلتقِ المسؤولون الأمريكيون والإيرانيون بشكل مباشر، بل تبادلوا مواقفهم عبر وسطاء عمانيين. وأفاد موقع «أكسيوس» بأن المبعوثين الأمريكيين ستيفن منوتشين وجاريد كوشنر التقيا بوزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف خلال محادثات مسقط. وقد اعتبر ظريف أن البداية «كانت جيدة»، مشيراً إلى أن كيفية تقدم المحادثات تعتمد على المشاورات مع العواصم، وأنه كان هناك شبه إجماع على مواصلة المفاوضات، وتم الاتفاق على استمرارها.
ومع ذلك، تبرز خلافات جوهرية بين الجانبين. شدد ظريف على أن أي حوار يجب أن يقوم على رفع التهديدات والضغوط، وأن طهران تناقش فقط ملفها النووي، رافضة إدراج برنامجها الصاروخي أو قضايا إقليمية أخرى على جدول الأعمال. في المقابل، تصر واشنطن على أن يشمل أي اتفاق قيوداً أوسع، معتبرة أن تخصيب اليورانيوم داخل إيران يمثل «خطاً أحمر». وأقر ظريف بوجود «جو من انعدام الثقة» بين الجانبين «يجب تجاوزه»، وأن تفاصيل الجولة القادمة المحتملة من المحادثات ستحدد لاحقاً.
في موازاة المسار الدبلوماسي، واصلت واشنطن سياستها التصعيدية بفرض عقوبات أمريكية جديدة على كيانات وسفن مرتبطة بتجارة النفط الإيراني. كما وقع ترمب أمراً تنفيذياً يفرض رسوماً جمركية على الدول التي تشتري سلعاً من إيران. ينص هذا الأمر التنفيذي على أن الرسوم «قد تفرض على السلع المستوردة إلى الولايات المتحدة والتي تعد منتجات لأي دولة تقوم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بشراء أو استيراد أو الحصول بأي طريقة أخرى على سلع أو خدمات من إيران». هذه الخطوة تحمل إمكانية إرباك العلاقات التجارية الأمريكية الكبرى حول العالم، بما في ذلك مع دول مثل الهند وتركيا والصين، التي كانت من كبار مستوردي النفط الإيراني قبل تشديد العقوبات.
إن التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإيران لها تداعيات إقليمية ودولية واسعة. ففي منطقة الشرق الأوسط، تثير هذه التوترات مخاوف من تصعيد عسكري محتمل قد يزعزع استقرار الملاحة في الخليج العربي ويؤثر على أسواق النفط العالمية. كما أن عدم اليقين بشأن مستقبل الاتفاق النووي وبرنامج إيران الصاروخي يثير قلق المجتمع الدولي بشأن الانتشار النووي. لذا، فإن استمرار المحادثات، حتى لو كانت غير مباشرة، يمثل بصيص أمل في تجنب المواجهة المباشرة وإيجاد حل دبلوماسي يحقق الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.


