spot_img

ذات صلة

ترمب ولبنان: خيارات بيروت الصعبة بين التفاوض والتصعيد

أعاد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لبنان إلى صدارة الاهتمام العالمي بتصريح مقتضب لكنه عميق المعنى من دافوس، قائلاً: «سنفعل شيئاً ما تجاه لبنان». هذه الكلمات، التي جاءت في خضم زخم دولي محموم، لم تكن مجرد إعلان عابر، بل أشعلت موجة من التساؤلات والاتصالات الدبلوماسية في بيروت وعواصم القرار، حول طبيعة الخطوة الأمريكية المرتقبة: هل هي دعوة لمسار تفاوضي جديد أم تصعيد للضغوط القائمة؟

خلفية تاريخية وسياق إقليمي معقد

لفهم أبعاد تصريح ترمب، لا بد من استعراض السياق التاريخي المعقد للعلاقات اللبنانية-الإسرائيلية، ودور الولايات المتحدة فيها. لطالما كان لبنان، بتركيبته الطائفية الهشة وموقعه الجيوسياسي الاستراتيجي، ساحة لتنافس القوى الإقليمية والدولية. منذ تأسيس دولة إسرائيل عام 1948، شهدت الحدود اللبنانية-الإسرائيلية توترات وصراعات متقطعة، أبرزها الاجتياحات الإسرائيلية في 1978 و1982، وحرب يوليو 2006. لطالما سعت واشنطن، كلاعب رئيسي في الشرق الأوسط، إلى إدارة هذه التوترات، وغالباً ما كانت تلعب دور الوسيط في محاولات التهدئة أو ترسيم الحدود، كما حدث في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية الأخيرة.

تأتي تصريحات ترمب أيضاً في سياق استراتيجي أوسع تبنته إدارته، والذي تجسد في «صفقة القرن» ومسار «اتفاقيات أبراهام» التي هدفت إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية وتطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية. هذه الاستراتيجية كانت تميل إلى تهميش القضية الفلسطينية التقليدية والتركيز على بناء جبهة موحدة ضد النفوذ الإيراني. وفي هذا الإطار، يُنظر إلى «حزب الله» في لبنان، المدعوم من إيران، كعقبة رئيسية أمام أي تسوية إقليمية شاملة من المنظور الأمريكي والإسرائيلي. كما أن لبنان يرزح تحت وطأة أزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة منذ عام 2019، مما يجعله أكثر عرضة للضغوط الخارجية ويزيد من تعقيد أي قرارات سيادية.

ضغوط أم مفاوضات: استراتيجية أمريكية جديدة

لم يكن تصريح ترمب مجرد شعار إعلامي، بل تردد صداه بقوة في الأروقة اللبنانية، معيداً النقاش حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل. فهل هي دعوة لمفاوضات سياسية مباشرة، أم ضغط جديد على الأرض؟ يبدو أن الإدارة الأمريكية، تحت قيادة ترمب، كانت تربط بين ما يحدث في غزة وما قد يحدث في لبنان، مشدداً على أن «حزب الله» في لبنان بات بقايا صغيرة مقارنة بما كان عليه سابقاً، وأنه «لا بد من القيام بشيء حياله». هذه التصريحات تعكس استراتيجية أمريكية جديدة تربط أي دعم لبناني بالالتزام بخطوات ملموسة، وليس مجرد وعود.

السيناريو الأكثر واقعية حالياً، بحسب المعلومات المستقاة من الاتصالات القائمة، هو ما طُلب من لبنان عبر الدخول في جولات تفاوضية مباشرة مع إسرائيل على مستوى عالٍ خارج نطاق لجنة «الميكانيزم» (الآلية الثلاثية)، وبوساطة أمريكية في دولة ثالثة. يهدف هذا المسار إلى الوصول إلى تفاهمات اقتصادية وأمنية، تمهيداً لاحقاً لمفاوضات سلام أوسع. وتؤكد المعطيات أن أي تأخير أو عدم تجاوب من لبنان سيفتح المجال أمام خطوات إسرائيلية أكثر حزماً، وربما جولات قتالية أوسع، خصوصاً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو سبق وأقنع ترمب بضرورة استمرار «الضغوط القصوى» على لبنان ورفع منسوبها بما يضمن أمن إسرائيل.

إعادة ترتيب الأدوار وتأثيرها الإقليمي

في الوقت نفسه، يبدو توقف لجنة «الميكانيزم» اليوم، التي كانت تُعنى بتنسيق الملفات الحدودية، ليس عفوياً، بل مؤشراً إلى إعادة ترتيب أدوار الأطراف اللبنانية والدولية في المفاوضات القادمة. هذا التوقف يفتح المجال أمام واشنطن لتقييم مدى جدية الحكومة اللبنانية، وتحديد مستوى الضغط المطلوب لضمان تحقيق أهدافها الإقليمية. من جهة أخرى، تسعى إسرائيل للاستفادة من هذا التوقف لتسريع خطواتها السياسية، بدءاً بالملف السوري، حيث يُنظر إلى تحقيق استقرار على الحدود مع سورية كرافعة إيجابية للتعامل مع لبنان لاحقاً. في هذا السياق، يبرز الدور الأمريكي، الذي عين ترمب سفيره في تركيا توم برّاك، كمبعوث شخصي لدفع هذه الرؤية، مع التركيز على ضمان أن أي تسوية لبنانية ستكون جزءاً من منظومة أوسع لإعادة ترتيب التوازنات الإقليمية.

خيارات لبنان الصعبة وتداعياتها

يجد لبنان نفسه اليوم أمام خيارين رئيسيين، كلاهما يحمل تحديات جسيمة. الخيار الأول هو الانخراط في مسار تفاوضي مباشر مع إسرائيل، ما يعني تقبلاً لضغوط أمريكية هائلة، وربما خطوات صعبة على الداخل اللبناني، خاصة فيما يتعلق بوضع «حزب الله» ومسألة سلاحه، وهي قضايا حساسة للغاية وتثير انقسامات عميقة داخل البلاد. هذا المسار قد يفتح الباب أمام استثمارات دولية ومساعدات اقتصادية تشتد الحاجة إليها، لكنه قد يأتي بثمن سياسي واجتماعي باهظ.

أما الخيار الثاني فهو رفض أي تفاوض مباشر، ما قد يؤدي إلى تصعيد خارجي محتمل. إسرائيل، مدعومة بالولايات المتحدة، أبدت استعدادها للتدخل بما يضمن مصالحها الأمنية، وهو ما قد يتجسد في جولات قتالية أوسع أو ضغوط اقتصادية وسياسية خانقة. هذا السيناريو قد يدفع لبنان نحو مزيد من العزلة الدولية وتفاقم أزماته الداخلية، وقد يهدد استقراره الهش بشكل أكبر.

إن ما يعيشه لبنان اليوم هو اختبار مباشر لإستراتيجيته في التعاطي مع الضغوط الخارجية، وقدرته على الموازنة بين الحفاظ على سيادته واستجابته لمتطلبات القوى الكبرى. وأي خطوة غير محسوبة قد تضع البلاد في مواجهة مباشرة مع سيناريوهات صعبة، تتراوح بين تصعيد عسكري على الأرض إلى أزمات سياسية وأمنية أوسع، ما يجعل المرحلة القادمة حاسمة أكثر من أي وقت مضى لمستقبل لبنان والمنطقة بأسرها.

spot_imgspot_img