سجّل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب سابقة تاريخية جديدة في سجلات الرئاسة الأمريكية، ملقياً أطول خطاب لحالة الاتحاد (State of the Union) في العصر الحديث، حيث استمر لمدة ساعة و47 دقيقة. وقد ركز الخطاب، الذي يأتي في توقيت سياسي بالغ الحساسية، على استعراض القوة الاقتصادية للولايات المتحدة، وسط أجواء مشحونة عكست عمق الاستقطاب الحزبي داخل أروقة الكابيتول.
أرقام قياسية واقتصاد «العصر الذهبي»
في مستهل ولايته الثانية، اختار ترمب الاقتصاد كركيزة أساسية لخطابه، واصفاً الوضع الحالي بـ«العصر الذهبي لأمريكا». واستند الرئيس في حديثه إلى حزمة من المؤشرات الرقمية، مشيراً إلى انخفاض معدل التضخم الأساسي إلى 1.7% في الربع الأخير من عام 2025، وتراجع أسعار الوقود بشكل ملحوظ لتصل إلى ما دون 2.30 دولار للغالون في معظم الولايات. كما احتفى بتسجيل سوق الأسهم 53 مستوى قياسياً جديداً، معتبراً ذلك دليلاً قاطعاً على نجاح سياساته في طي صفحة الركود.
ولم يكتفِ الرئيس باستعراض الأرقام، بل أعلن عن سياسات مالية جديدة تهدف لاستمالة الطبقة العاملة، أبرزها «القانون الكبير والجميل» الذي يعفي الإكراميات وساعات العمل الإضافية من الضرائب، بالإضافة إلى خطة مساهمة حكومية لدعم حسابات التقاعد.
السياق التاريخي والتوتر السياسي
يعد خطاب حالة الاتحاد تقليداً دستورياً عريقاً نصت عليه المادة الثانية من الدستور الأمريكي، حيث يقدم الرئيس تقريراً للكونغرس عن أوضاع البلاد. ومنذ أن أحيا الرئيس وودرو ويلسون تقليد إلقاء الخطاب بنفسه عام 1913، تحول هذا الحدث إلى منصة سياسية رئيسية لمخاطبة الشعب مباشرة. وفي هذا الخطاب تحديداً، بدا المشهد مغايراً للأعراف الدبلوماسية الهادئة؛ إذ شهدت القاعة توترات غير مسبوقة، تمثلت في إخراج النائب الديمقراطي آل غرين بعد رفعه لافتة احتجاجية، ومقاطعة النائبة إلهان عمر للرئيس بهتافات حادة، مما يعكس تصاعد حدة الخطاب السياسي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
صراع السلطات: الرسوم الجمركية والمحكمة العليا
شكل ملف الرسوم الجمركية نقطة خلاف جوهرية تطرق إليها ترمب، مدافعاً عن سياساته الحمائية رغم المعارضة القضائية. وكان لافتاً حديثه عن قرار المحكمة العليا الذي أبطل استخدامه لقانون الطوارئ لفرض رسوم تجارية واسعة، واصفاً القرار بـ«المؤسف». هذا الجزء من الخطاب سلط الضوء على التوتر القائم بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، خاصة مع وجود قضاة المحكمة العليا، بمن فيهم رئيسها جون روبرتس، داخل القاعة، مما أضفى طابعاً درامياً على المشهد السياسي.
السياسة الخارجية والرد الديمقراطي
على عكس المتوقع، تراجع ملف السياسة الخارجية إلى الهوامش، حيث لم يتطرق ترمب إلى الملف الإيراني إلا بعد مرور 90 دقيقة، مؤكداً موقفاً صارماً بمنع طهران من امتلاك سلاح نووي دون الخوض في تفاصيل عسكرية. وفي المقابل، جاء الرد الديمقراطي سريعاً عبر حاكمة فرجينيا أبيغيل سبانبرغر، التي وصفت الخطاب بأنه «محاولة لتشتيت الانتباه»، متهمة الإدارة الحالية بإثارة الفوضى الداخلية وتجاهل معاناة المواطنين من ارتفاع التكاليف المعيشية الناتج عن السياسات الجمركية.
واختتم المشهد بتكريمات رمزية لعدد من الشخصيات الوطنية، في محاولة لتعزيز الروح الوطنية، إلا أن الانقسام ظل سيد الموقف، حيث يسعى الجمهوريون لاستثمار هذا الخطاب لتعزيز حظوظهم الانتخابية، بينما يرى فيه الديمقراطيون مادة دسمة لانتقاد سياسات الإدارة الحالية.


