مع انتهاء آخر اتفاق يقيّد الترسانة النووية بين واشنطن وموسكو، اختار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ألا يمدد «نيو ستارت»، بل أن يقلب الطاولة ويدعو إلى معاهدة نووية جديدة مع روسيا، في خطوة أثارت قلقاً دولياً واسعاً من عودة سباق التسلح إلى الواجهة.
تأتي هذه التطورات في سياق تاريخي طويل من جهود ضبط التسلح النووي بين القوتين العظميين، والتي بدأت خلال الحرب الباردة. فبعد سباق تسلح محموم، أدرك الطرفان، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي آنذاك، ضرورة وضع قيود على ترساناتهما لضمان الاستقرار الاستراتيجي وتجنب كارثة نووية. معاهدات مثل SALT و START I كانت ركائز لهذا النظام، تهدف إلى تقليل عدد الرؤوس الحربية ومنصات إطلاقها، وتوفير آليات للتحقق والشفافية. معاهدة «نيو ستارت»، الموقعة عام 2010، كانت الوريث الأخير لهذه السلسلة، ممثلةً قمة الجهود المشتركة لتقييد الترسانات النووية الاستراتيجية.
وقال ترمب في منشور على منصته «تروث سوشيال»، إن معاهدة «نيو ستارت» التي انتهى سريانها «لم تعد صالحة للمستقبل»، معتبراً أنها صيغت بشكل سيئ في عهد باراك أوباما، داعياً خبراء بلاده النوويين إلى العمل فوراً على اتفاق «أقوى، وأطول عمراً، وأكثر صرامة».
جاءت التصريحات بعد ساعات فقط من انتهاء مفعول المعاهدة، التي كانت تمثل آخر خطوط الدفاع أمام انفلات عدد الرؤوس النووية الاستراتيجية بين القوتين النوويتين الأكبر في العالم، ما أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة ومخاوف الانتشار النووي. عندما سُئل البيت الأبيض عما إذا كانت واشنطن وموسكو التزمتا بشكل غير معلن ببنود المعاهدة المنتهية ريثما تبدأ مفاوضات جديدة، اكتفت المتحدثة باسم الرئاسة الأمريكية كارولاين ليفيت بالقول إن الأمر «غير معروف»، في مؤشر على فراغ تفاوضي مقلق.
إن انتهاء صلاحية «نيو ستارت» يمثل نقطة تحول خطيرة، حيث يزيل آخر القيود الملزمة قانونياً على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم. هذا الفراغ التفاوضي يثير شبح العودة إلى سباق تسلح نووي غير مقيد، وهو سيناريو يهدد بتقويض عقود من جهود نزع السلاح النووي. بدون آليات التحقق المتبادل التي كانت توفرها المعاهدة، تفقد الشفافية بين واشنطن وموسكو، مما يزيد من مخاطر سوء التقدير والتصعيد في أوقات التوتر الجيوسياسي.
ورغم أن ترمب لطالما تحدث عن رغبته في ضبط السلاح النووي، فإن موقفه هذه المرة بدا مختلفاً؛ إذ ربط أي إطار جديد بإشراك الصين، وهو مطلب ترفضه بكين حتى الآن، ما يعقّد فرص التوصل إلى اتفاق سريع.
موسكو تأسف.. وبكين تبتعد
في موسكو، عبّر الكرملين عن أسفه لانتهاء «نيو ستارت»، وقال المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديميتري بيسكوف إن المعاهدة كانت عنصراً أساسياً في الحفاظ على التوازن النووي، محذراً ضمنياً من تداعيات غيابها.
أما الصين، فأعلنت بوضوح أنها لا ترى نفسها معنية حالياً بأي مفاوضات من هذا النوع، معتبرة أن ترسانتها النووية «محدودة» مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن انهيار منظومة ضبط التسلح يهدد الاستقرار الاستراتيجي العالمي.
مطالبة الرئيس ترمب بإشراك الصين في أي معاهدة جديدة تضيف طبقة من التعقيد. فبينما تمتلك الصين ترسانة نووية أصغر بكثير مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، فإنها تشهد نمواً سريعاً. ترفض بكين الانضمام إلى مثل هذه المفاوضات، مؤكدة أن ترسانتها «محدودة» وأنها لن تشارك إلا إذا قامت القوتان النوويتان الأكبر بتقليص ترساناتهما بشكل كبير أولاً. هذا الموقف الصيني يجعل التوصل إلى اتفاق ثلاثي الأطراف أمراً بالغ الصعوبة، وربما مستحيلاً في المدى القريب.
ودعا حلف شمال الأطلسي (الناتو) الأطراف الكبرى إلى التحلي بالمسؤولية، فيما وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لحظة انتهاء المعاهدة بأنها «من أخطر اللحظات على السلام الدولي منذ عقود»، محذراً من أن العالم بات أقرب من أي وقت مضى إلى خطر استخدام السلاح النووي.
الردود الدولية تعكس القلق العميق. فقد أعرب الكرملين عن أسفه لانتهاء المعاهدة، مشدداً على دورها في الحفاظ على التوازن النووي العالمي. الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، وصف اللحظة بأنها «من أخطر اللحظات على السلام الدولي منذ عقود»، محذراً من أن العالم بات أقرب من أي وقت مضى لخطر استخدام الأسلحة النووية. حلف شمال الأطلسي (الناتو) دعا الأطراف الكبرى إلى التحلي بالمسؤولية، مؤكداً على أهمية الحفاظ على الاستقرار الاستراتيجي. هذه التحذيرات الجماعية تسلط الضوء على الإجماع الدولي حول خطورة الوضع وتداعياته المحتملة على الأمن العالمي.
يذكر أن معاهدة «نيو ستارت»، الموقعة عام 2010، كانت آخر اتفاق نووي ساري المفعول بين واشنطن وموسكو، وحددت سقفاً أقصى يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً لكل طرف، مع آليات تحقق متبادلة. ومع سقوطها، يدخل العالم مرحلة نووية بلا قيود واضحة.


