كشفت تقارير صحفية، أبرزها ما نشرته صحيفة نيويورك تايمز، عن خطط إدارة الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب لفرض رسوم جمركية جديدة “بشكل شبه فوري” في حال أصدرت المحكمة العليا قراراً بإلغاء الرسوم الشاملة التي كان قد فرضها الرئيس بموجب قانون الطوارئ. هذا التطور يضع الضوء على استراتيجية ترمب التجارية ويعكس إصراره على استخدام الرسوم الجمركية كأداة رئيسية في سياسته الاقتصادية، خاصة مع ترقب عودته المحتملة إلى البيت الأبيض في يناير 2025.
ونقلت الصحيفة عن الممثل التجاري الأمريكي جيميسون غرير تأكيده، في مقابلة نُشرت مؤخراً، أن الإدارة لن تتوانى عن استبدال الرسوم الملغاة بضرائب ورسوم أخرى “في اليوم التالي مباشرة”. هذا التصريح يشير إلى استعداد الإدارة المسبق لمواجهة أي قرار قضائي قد يقيد صلاحياتها في هذا الشأن، ويؤكد على أن سياسة “أمريكا أولاً” التجارية ستظل محوراً أساسياً في أجندة ترمب.
من المتوقع أن تصدر المحكمة العليا قرارها بشأن هذه الرسوم خلال الأسابيع القادمة، وربما في وقت مبكر من يوم الثلاثاء القادم، وفقاً للتقرير. يُعد هذا الطعن القانوني اختباراً حاسماً لصلاحيات الرئيس الأمريكي، ومدى استعداد المحكمة العليا لكبح بعض الصلاحيات الواسعة التي طالب بها الرئيس ترمب منذ إعلانه عن نيته العودة إلى البيت الأبيض.
السياق التاريخي لسياسات ترمب التجارية والرسوم الجمركية
لم تكن الرسوم الجمركية أداة جديدة في عهد دونالد ترمب، بل كانت حجر الزاوية في سياسته التجارية خلال ولايته الأولى (2017-2021). فقد فرض ترمب رسوماً جمركية واسعة النطاق على واردات الصلب والألومنيوم من عدة دول، مستنداً إلى المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، والتي تسمح للرئيس بفرض رسوم لحماية الأمن القومي. كما شن حرباً تجارية شرسة ضد الصين، فارضاً رسوماً على مئات المليارات من الدولارات من السلع الصينية بموجب المادة 301 من قانون التجارة لعام 1974، والتي تستهدف الممارسات التجارية غير العادلة. كانت هذه الإجراءات تهدف، بحسب إدارة ترمب، إلى حماية الصناعات المحلية، تقليل العجز التجاري، وإجبار الشركاء التجاريين على إعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية.
تسببت هذه السياسات في ردود فعل دولية واسعة، حيث فرضت دول مثل الصين والاتحاد الأوروبي وكندا والمكسيك رسوماً جمركية انتقامية على المنتجات الأمريكية. أثارت هذه الحروب التجارية جدلاً كبيراً حول فعاليتها وتأثيرها على الاقتصاد العالمي والمستهلك الأمريكي، حيث ارتفعت تكاليف بعض السلع المستوردة، مما أثر على سلاسل التوريد والقدرة التنافسية للشركات الأمريكية التي تعتمد على المكونات المستوردة.
أهمية القرار القضائي وتأثيراته المحتملة
إن قرار المحكمة العليا المرتقب يحمل أهمية بالغة تتجاوز مجرد إلغاء أو تأكيد رسوم جمركية معينة. فهو سيحدد بشكل كبير حدود السلطة التنفيذية للرئيس في صياغة السياسة التجارية، خاصة في استخدام قوانين الطوارئ. إذا أيدت المحكمة صلاحيات الرئيس الواسعة، فقد يمنح ذلك دفعة قوية لأي إدارة مستقبلية، بما في ذلك إدارة ترمب المحتملة، لفرض رسوم جمركية دون قيود كبيرة من السلطة القضائية. وعلى العكس، إذا قيدت المحكمة هذه الصلاحيات، فقد يفرض ذلك تحديات جديدة على أجندة ترمب التجارية الطموحة.
على الصعيد الاقتصادي: قد يؤدي فرض رسوم جمركية جديدة إلى ارتفاع أسعار السلع المستوردة للمستهلكين الأمريكيين، وزيادة تكاليف الإنتاج للشركات التي تعتمد على الواردات، مما قد يؤثر سلباً على النمو الاقتصادي ومعدلات التضخم. كما يمكن أن يؤدي إلى اضطرابات في سلاسل التوريد العالمية، ويثير مخاوف بشأن الاستقرار التجاري الدولي. من ناحية أخرى، يرى مؤيدو هذه الرسوم أنها تحمي الصناعات المحلية وتخلق فرص عمل داخل الولايات المتحدة.
على الصعيد السياسي والدولي: سيكون للقرار تداعيات على العلاقات التجارية الأمريكية مع بقية العالم. ففرض رسوم جمركية جديدة قد يؤدي إلى تصعيد التوترات التجارية مع الشركاء الرئيسيين، وربما يدفعهم إلى اتخاذ إجراءات انتقامية، مما يعيد شبح الحروب التجارية التي شهدتها فترة ولاية ترمب الأولى. كما أن هذا القرار سيعكس مدى استعداد القضاء الأمريكي للتدخل في قرارات السياسة الخارجية والاقتصادية للرئيس، مما يحدد سابقة مهمة لمستقبل الفصل بين السلطات في الولايات المتحدة.
باختصار، فإن الترقب لقرار المحكمة العليا ليس مجرد مسألة قانونية بحتة، بل هو مؤشر على الاتجاه المستقبلي للسياسة التجارية الأمريكية، وتوازن القوى بين السلطات، وتأثير ذلك على الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية.


