spot_img

ذات صلة

مجلس السلام ترمب: انقسام عالمي يهدد الأمم المتحدة

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً على الساحة الدولية، تستعد مدينة دافوس السويسرية لاستضافة حفل توقيع الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب على وثيقة تأسيس «مجلس السلام»، وهو كيان جديد يطمح للتدخل في حل النزاعات المسلحة حول العالم. وقد كشف مسؤول رفيع في الإدارة الأمريكية أن نحو 35 دولة من أصل 50 وُجّهت إليها الدعوة، أكدت مشاركتها في هذا الحدث المرتقب، مما يعكس انقساماً عالمياً حاداً حول هذه المبادرة الطموحة.

سياق تاريخي وسياسي: “أمريكا أولاً” وتحديات النظام الدولي

تأتي فكرة «مجلس السلام» في سياق السياسة الخارجية التي تبناها دونالد ترمب خلال فترة رئاسته، والتي اتسمت بشعار «أمريكا أولاً» والتشكيك المتزايد في فعالية المؤسسات الدولية التقليدية. لطالما انتقد ترمب منظمات مثل الأمم المتحدة وحلف شمال الأطلسي (الناتو) ومنظمة التجارة العالمية، معتبراً أنها لا تخدم المصالح الأمريكية بالقدر الكافي أو أنها أصبحت بيروقراطية وغير فعالة. وقد سعى ترمب مراراً إلى إعادة تشكيل المشهد الدبلوماسي العالمي من خلال مبادرات ثنائية أو متعددة الأطراف ذات طابع خاص، مثل اتفاقيات أبراهام التي أدت إلى تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، ومقترحاته لحل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي المعروفة بـ«صفقة القرن». هذه الخلفية تضع «مجلس السلام» ضمن رؤية أوسع تسعى لإعادة تعريف آليات حفظ السلام والأمن الدوليين، بعيداً عن الأطر القائمة التي يعتبرها البعض قديمة أو غير قادرة على مواجهة تحديات العصر.

من إعمار غزة إلى طموحات عالمية: توسع غير مسبوق في الصلاحيات

ما بدأ كفكرة لإنشاء إطار للإشراف على إعادة إعمار قطاع غزة، سرعان ما تطور ليصبح كياناً ذا طموحات عالمية أوسع بكثير. فـ«الميثاق» الذي أعلنته إدارة ترمب لم يقتصر على غزة، بل وسّع نطاق عمل «مجلس السلام» ليشمل التدخل في حل النزاعات المسلحة حول العالم. ولم يتردد الرئيس الأمريكي السابق في التلميح إلى أن هذا المجلس قد يتحول إلى بديل عملي للأمم المتحدة، مما يمثل تحدياً مباشراً لدور المنظمة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع تكرار الصراعات المدمرة. ينص الميثاق على تولي ترمب رئاسة المجلس مدى الحياة، مع منحه صلاحيات واسعة وغير مسبوقة، من بينها حق نقض القرارات، وهي صلاحية تذكر بحق الفيتو في مجلس الأمن الدولي، ولكنها هنا تتركز في يد شخص واحد. ويضم المجلس شخصيات بارزة من الإدارة الأمريكية السابقة ومستشارين مقربين، على أن يبدأ عمله بملف غزة قبل التوسع إلى أزمات دولية أخرى، مما يثير تساؤلات حول مدى قدرته على التعامل مع تعقيدات النزاعات العالمية.

جدل قانوني ودستوري: وثيقة أوروبية سرية تحذر

لم تمر هذه الصلاحيات الواسعة دون إثارة قلق عميق في الأوساط الدولية. فقد كشفت وثيقة قانونية أوروبية سرية عن إشكاليات دستورية وقانونية خطيرة تتعلق بالصلاحيات الممنوحة لرئيس «مجلس السلام». حذرت الوثيقة من تعارض هذه الصلاحيات مع القانون الإداري الدولي، لا سيما في ما يتعلق بإنشاء كيانات فرعية والتحكم بمستوى مشاركة الدول الأعضاء. واعتبرت أن اشتراط موافقة ترمب على مشاركة الدول يمثل تدخلاً صارخاً في استقلالها التنظيمي وسيادتها، وهو مبدأ أساسي في العلاقات الدولية. هذه التحذيرات تعكس مخاوف أوسع بشأن شرعية المجلس المقترح وقدرته على العمل ضمن الأطر القانونية الدولية المعترف بها، وتثير تساؤلات حول ما إذا كان هذا الكيان سيحترم مبادئ القانون الدولي أم سيسعى لتجاوزها.

“دبلوماسية المليار دولار”: سابقة خطيرة في العمل الدولي

أحد أكثر الجوانب إثارة للجدل في مبادرة «مجلس السلام» هو شرط التمويل. فقد حُددت مدة عضوية الدول بثلاث سنوات قابلة للتجديد، باستثناء الدول التي تدفع أكثر من مليار دولار خلال السنة الأولى، حيث تحصل على مقعد دائم في المجلس. هذه الخطوة وُصفت بأنها سابقة خطيرة في العمل الدولي، حيث تربط العضوية الدائمة والقدرة على التأثير بالقدرة المالية للدولة، بدلاً من مبادئ المساواة في السيادة أو المساهمة في السلام والأمن الدوليين. يخشى النقاد أن يؤدي هذا النموذج إلى “خصخصة” الدبلوماسية الدولية، حيث يمكن للدول الغنية شراء نفوذ أكبر، مما يقوض مبادئ العدالة والشفافية ويخلق نظاماً طبقياً في إدارة الشؤون العالمية. كما يثير تساؤلات حول استقلالية قرارات المجلس ومدى تأثرها بالمصالح المالية للدول الكبرى المساهمة.

انقسام عالمي: استجابات متباينة ومخاوف متزايدة

وُجّهت دعوات إلى نحو 60 دولة، من بينها قوى عالمية كبرى مثل الصين وروسيا، ما فتح باب التساؤلات حول مشاركة قوى على خلاف أو صراع مع حلفاء واشنطن ضمن إطار واحد لـ«السلام». وقد تباينت الاستجابات الدولية بشكل كبير، مما يؤكد الانقسام حول هذه المبادرة:

  • الدول المؤيدة: أكدت كل من الإمارات والبحرين والمغرب مشاركتها، وقَبِل العاهل المغربي الملك محمد السادس الدعوة بصفته «عضواً مؤسساً». كما كانت المجر الدولة الأوروبية الوحيدة التي أعلنت قبولها الكامل للمبادرة، مما يعكس تقارباً في الرؤى مع إدارة ترمب.
  • الدول المترددة: تدرس مصر الدعوة، مع ترشيح رئيس المخابرات المصرية لعضوية المجلس التنفيذي لغزة، مما يشير إلى اهتمام حذر. أما الصين وروسيا، فقد أكدتا تلقيهما دعوات رسمية، لكنهما لم تحسما موقفهما بعد، مع تشديدهما على دعم دور الأمم المتحدة كإطار رئيسي للسلام والأمن الدوليين.
  • الدول الرافضة أو المتحفظة: أبدت عدة عواصم أوروبية مخاوف عميقة من أن يؤدي «مجلس السلام» إلى تقويض دور الأمم المتحدة. أعلنت فرنسا أنها لا تعتزم الانضمام «في هذه المرحلة»، مشيرة إلى مخاوف من توسّع صلاحيات المجلس بما يتجاوز غزة ويقوض أطر الأمم المتحدة القائمة. كما رفضت النرويج والسويد المشاركة، معتبرتين أن المبادرة تتعارض مع القانون الدولي، بينما قالت أيرلندا إنها تدرس الدعوة بحذر. وفي إيطاليا، نقلت صحيفة كورييري ديلا سيرا أن روما لن تشارك في المبادرة. هذه المواقف الأوروبية تعكس التزاماً قوياً بالمؤسسات المتعددة الأطراف القائمة.
  • الموقف الإسرائيلي: قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو دعوة ترمب للمشاركة في «مجلس السلام» الخاص بغزة. غير أن إسرائيل أعربت عن اعتراضها على تركيبة المجلس التنفيذي لغزة، مشيرة إلى أن تشكيله لم يتم بالتنسيق معها، في إشارة خاصة إلى المشاركة التركية، مما يبرز التعقيدات الإقليمية.

التداعيات المحتملة: تهديد لدور الأمم المتحدة ومستقبل السلام العالمي

إن إنشاء «مجلس السلام» بهذه الصلاحيات والآليات يمثل تحدياً وجودياً لدور الأمم المتحدة كمنظمة عالمية لحفظ السلام والأمن. ففي ظل انتقادات ترمب المتكررة للمنظمة الدولية واتهامها بعدم دعم جهوده لإنهاء النزاعات، يمكن أن يُنظر إلى هذا المجلس كجهد متعمد لإضعاف الأمم المتحدة أو حتى استبدالها. هذا من شأنه أن يؤدي إلى تفتيت الجهود الدولية لحل النزاعات، وخلق نظام عالمي أكثر فوضوية حيث تتنافس الكيانات المختلفة على الشرعية والنفوذ. كما أن نموذج التمويل القائم على “دبلوماسية المليار دولار” يهدد بتقويض مبادئ المساواة بين الدول ويفتح الباب أمام نفوذ مالي غير متوازن. على المدى الطويل، قد يؤثر ذلك على قدرة المجتمع الدولي على الاستجابة للأزمات الإنسانية والنزاعات المسلحة بطريقة منسقة وعادلة، مما يضع مستقبل السلام العالمي على المحك.

في الختام، يمثل «مجلس السلام» المقترح من قبل دونالد ترمب مبادرة جريئة ومثيرة للجدل، تعكس رؤية مختلفة تماماً لإدارة الشؤون الدولية. وبينما يرى مؤيدوه فيها فرصة لتجاوز جمود المؤسسات القائمة، يخشى منتقدوها من أنها قد تؤدي إلى تفكيك النظام الدولي الحالي، وتقويض مبادئ القانون الدولي، وخلق انقسامات أعمق في عالم يواجه بالفعل تحديات معقدة. يبقى مصير هذا المجلس وتأثيره الفعلي على الساحة العالمية رهناً بالتطورات المستقبلية ومدى قدرته على كسب الشرعية والدعم الدوليين في ظل هذا الانقسام الواضح.

spot_imgspot_img