كشفت تقارير صحفية بريطانية، وتحديداً صحيفة «آي بيبر»، عن كواليس وتفاصيل مكالمة هاتفية وُصفت بـ “المتوترة” جمعت بين الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر. تأتي هذه المكالمة في توقيت حساس للغاية، حيث تتصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط. المحور الأساسي للخلاف كان امتناع العاصمة البريطانية لندن عن المشاركة أو تقديم الدعم اللوجستي المباشر للهجوم الأمريكي الإسرائيلي الأخير الذي استهدف مواقع داخل الأراضي الإيرانية، خشية الانجرار إلى حرب إقليمية واسعة.
تفاصيل مكالمة ترمب وستارمر وأسباب الخلاف
استمرت المكالمة الهاتفية بين الزعيمين قرابة 20 دقيقة بعد ظهر يوم الأحد الماضي. وجاءت هذه المحادثة بعد أيام قليلة من توجيه ترمب انتقادات علنية لاذعة لرئيس الوزراء البريطاني. ووفقاً لمصادر مطلعة على فحوى الاتصال، بدا الرئيس الأمريكي غير مهتم بالاستماع إلى المبررات التي حاول ستارمر تقديمها لشرح أسباب رفض حكومته الانخراط في توجيه ضربات عسكرية ضد طهران.
تفاقم الخلاف عندما انتقد ترمب علانية قرار ستارمر الأولي برفض السماح للقوات الأمريكية باستخدام القواعد العسكرية البريطانية لدعم العمليات ضد إيران. وأشار ترمب إلى أن هذا الرفض البريطاني أجبر الطائرات الحربية الأمريكية على التحليق لساعات إضافية طويلة ومكلفة خلال الأيام الأولى من العمليات العسكرية، مما أثر على الكفاءة اللوجستية للعملية وأثار حفيظة الإدارة الأمريكية.
السياق التاريخي ومخاوف انهيار “العلاقة الخاصة”
تُعد العلاقات البريطانية الأمريكية، التي صاغ رئيس الوزراء البريطاني الأسبق وينستون تشرشل مصطلح “العلاقة الخاصة” لوصفها، واحدة من أهم التحالفات الاستراتيجية في العصر الحديث. تاريخياً، لطالما اعتمدت الولايات المتحدة على الدعم اللوجستي والاستخباراتي البريطاني لتنفيذ عملياتها في الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن التباين السياسي بين حكومة حزب العمال البريطانية وإدارة ترمب بدأ يلقي بظلاله على هذا التحالف. تصريح ترمب بأن ستارمر «لا يرقى إلى مستوى وينستون تشرشل» أثار مخاوف حقيقية في الأوساط الدبلوماسية من أن تشهد العلاقات الثنائية أسوأ فتراتها منذ عقود.
الزيارة الملكية كأداة دبلوماسية لاحتواء التوتر
في محاولة لاحتواء هذا التوتر الدبلوماسي غير المسبوق، لجأ ستارمر إلى استخدام القوة الناعمة البريطانية. خلال المكالمة، أثار ستارمر مسألة زيارة الدولة المرتقبة للملك تشارلز الثالث والملكة كاميلا إلى العاصمة الأمريكية واشنطن. يسعى ستارمر منذ توليه منصبه إلى استغلال التقدير الشخصي الكبير الذي يكنه ترمب للعائلة المالكة البريطانية لتخفيف حدة الخلافات السياسية.
ورغم تصاعد حدة التصريحات، تؤكد المصادر أن التحضيرات لزيارة الملك تشارلز في نهاية شهر أبريل القادم لا تزال جارية من دون أي تغيير. وتكتسب هذه الزيارة أهمية مضاعفة لأنها تتزامن مع الذكرى الـ 250 لتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية، مما يجعل مسؤولي “وايت هول” يأملون في أن تمثل فرصة ذهبية لإعادة إحياء التحالف بين البلدين.
ضغوط سياسية داخلية في بريطانيا
على الصعيد الداخلي، يواجه ستارمر ضغوطاً سياسية متزايدة. فقد تعالت أصوات نواب من حزب العمال الحاكم وحزب الديمقراطيين الأحرار مطالبين رئيس الوزراء بإلغاء الزيارة الملكية المقررة إلى واشنطن. يأتي هذا المطلب كشكل من أشكال الاحتجاج الدبلوماسي على الانتقادات الحادة التي وجهها ترمب لموقف الحكومة البريطانية السيادي.
استمرار التعاون العسكري والاستخباراتي
رغم هذه العاصفة السياسية، حرص ستارمر على التأكيد على متانة المؤسسات الأمنية بين البلدين. ودافع بشدة عن موقف حكومته، مشدداً على أن التعاون العسكري والاستخباراتي الاستراتيجي بين لندن وواشنطن لم ولن يتوقف. وأوضح أن القوات الأمريكية لا تزال تستخدم قواعد جوية بريطانية بموجب اتفاقيات ثنائية راسخة، وأن تبادل المعلومات الاستخباراتية الدقيقة يجري بشكل يومي.
علاوة على ذلك، أشار ستارمر إلى أن أفراداً من الجيشين البريطاني والأمريكي يعملون جنباً إلى جنب في نفس القواعد العسكرية لحمايتها. وفي حين وصفت مصادر في “داونينغ ستريت” المكالمة بأنها كانت «بناءة»، اكتفى البيان الرسمي المقتضب بالإشارة إلى أن الزعيمين ناقشا سبل التعاون في الشرق الأوسط واتفقا على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة، في محاولة لتهدئة الرأي العام وتقليل حجم الفجوة الدبلوماسية.


