صعّد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لهجته التحذيرية تجاه الحكومة الإيرانية، مهدداً بأن أي هجوم محتمل قادم سيكون “أسوأ بكثير” من الضربة السابقة التي نفذتها الولايات المتحدة في يونيو الماضي. تأتي هذه التهديدات في سياق تصاعد التوترات بين واشنطن وطهران، وتؤكد على استراتيجية الضغط القصوى التي تتبناها الإدارة الأمريكية.
وفي منشور على منصته “تروث سوشيال” يوم الأربعاء، دعا ترمب إيران إلى الإسراع بالجلوس إلى طاولة المفاوضات قبل فوات الأوان، مشدداً على أن الهجوم القادم المحتمل سيحمل تداعيات أشد وطأة من سابقه. هذه الدعوة المتكررة للتفاوض تأتي في ظل رفض إيراني مستمر للتفاوض تحت الضغط، وتؤكد على سعي واشنطن لإبرام اتفاق جديد يحل محل الاتفاق النووي السابق.
لطالما اتسمت العلاقات الأمريكية الإيرانية بالتوتر، لكنها شهدت تصعيداً حاداً منذ قرار إدارة ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في مايو 2018. أعقب الانسحاب إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، بهدف خنق اقتصادها وإجبارها على إعادة التفاوض بشأن برنامجها النووي والصاروخي ونفوذها الإقليمي. هذه السياسة، المعروفة باسم “حملة الضغط الأقصى”، أدت إلى سلسلة من الحوادث الأمنية في منطقة الخليج، بما في ذلك هجمات على ناقلات نفط ومنشآت نفطية، واحتجاز سفن، وإسقاط طائرة مسيرة أمريكية، ما زاد من مخاطر المواجهة العسكرية.
وفي إطار استعراض القوة، كرر الرئيس الأمريكي التأكيد على إرسال أسطول عسكري إضافي ضخم إلى منطقة الشرق الأوسط. وصرح ترمب بأن “أسطولاً بحرياً ضخماً يتجه نحو إيران، إنه يتحرك بسرعة كبيرة، وبقوة وحماسة وهدف واضح”. ولفت إلى أن “الأسطول الذي تقوده حاملة الطائرات العملاقة أبراهام لينكولن أكبر مقارنة بالأسطول الذي تم إرساله إلى فنزويلا”، في إشارة إلى القدرات العسكرية الهائلة التي تحشدها الولايات المتحدة في المنطقة. هذا الانتشار العسكري يهدف إلى ردع أي عمل عدائي إيراني محتمل، وإظهار الجاهزية الأمريكية للرد بقوة.
وأضاف ترمب: “كما كان الحال مع فنزويلا، فإن هذا الأسطول مستعد وراغب وقادر على تنفيذ مهمته بسرعة وبقوة، وبالعنف إذا لزم الأمر”. هذه التصريحات تعكس جدية واشنطن في التعامل مع التهديدات الإيرانية، وتؤكد على أن الخيارات العسكرية مطروحة على الطاولة كجزء من استراتيجية الردع. إن وجود حاملة طائرات ومجموعتها القتالية في المنطقة يمثل رسالة واضحة لطهران بأن أي تصعيد قد يواجه رداً حاسماً.
وعبّر ترمب عن أمله في أن تبادر إيران سريعاً إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف بشأن البرنامج النووي، بما يضمن عدم امتلاك إيران لأي أسلحة نووية، مؤكداً أن هذا الاتفاق “سيكون في مصلحة جميع الأطراف”. إن الهدف الأساسي للولايات المتحدة هو منع إيران من تطوير أسلحة نووية، وهو ما تعتبره واشنطن تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي. الاتفاق المقترح من ترمب يتجاوز بنود الاتفاق النووي السابق ليشمل قيوداً على برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني ونفوذها في المنطقة.
وشدد الرئيس الأمريكي على أن الوقت ينفد، والأمر بالغ الأهمية فعلاً، مضيفاً: “كما قلت لإيران من قبل: أبرموا اتفاقاً، ولم يفعلوا، وكانت هناك عملية مطرقة منتصف الليل، التي أسفرت عن دمار كبير في إيران”، في إشارة إلى هجوم يونيو الماضي. وأكد أن الهجوم القادم سيكون أسوأ بكثير، “لا تجعلوا ذلك يحدث مرة أخرى”. هذه الإشارة إلى “مطرقة منتصف الليل” تذكر بالعمليات السرية أو الهجمات السيبرانية التي نسبت للولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والتي تهدف إلى إعاقة برامجها النووية والعسكرية دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية شاملة.
إن تداعيات أي تصعيد عسكري في الخليج ستكون وخيمة على المستويين الإقليمي والدولي. فإقليم الشرق الأوسط، الذي يعاني بالفعل من صراعات متعددة، لا يحتمل المزيد من عدم الاستقرار. قد يؤدي أي صراع إلى تعطيل إمدادات النفط العالمية، مما يرفع الأسعار ويؤثر سلباً على الاقتصاد العالمي. كما أن دول المنطقة، مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل، تراقب الوضع بقلق بالغ، حيث قد تجد نفسها متورطة بشكل مباشر أو غير مباشر في أي مواجهة. إن استقرار الملاحة في مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن النفط العالمي، سيكون على المحك.
على الصعيد الدولي، تثير هذه التهديدات قلق القوى الكبرى الأخرى، مثل الاتحاد الأوروبي وروسيا والصين، التي تسعى للحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني أو إيجاد حل دبلوماسي للأزمة. إن فشل الدبلوماسية قد يدفع المنطقة نحو حافة الهاوية، مع تداعيات جيوسياسية بعيدة المدى. تظل الجهود الدبلوماسية، وإن كانت معقدة، هي المسار المفضل لتجنب صراع كارثي، لكن تصريحات ترمب تشير إلى أن صبر واشنطن بدأ ينفد.


