هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% في الأول من فبراير القادم على الدنمارك، التي تسيطر على غرينلاند، إضافة إلى السويد، النرويج، فرنسا، ألمانيا، المملكة المتحدة، هولندا، وفنلندا، ما لم توافق هذه الدول على اتفاق لتسليم غرينلاند إلى الولايات المتحدة.
وأشار ترمب إلى أنه سيرفع هذه الرسوم إلى 25% في شهر يونيو القادم، إذا لم تمتثل هذه الدول. وتدفع جميع هذه الدول بالفعل نوعاً من الرسوم الجمركية منذ دخول رسوم يوم التحرير التي فرضها ترمب حيز التنفيذ في أغسطس 2025.
وقال في منشور على منصة «تروث سوشيال»: «ستظل هذه الرسوم مستحقة الدفع حتى يتم التوصل إلى اتفاق لشراء غرينلاند بالكامل».
ويأتي تهديد ترمب في الوقت الذي يجتمع فيه قادة العالم وكبار المديرين التنفيذيين في دافوس، سويسرا، لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي. ومن المتوقع أن يلقي ترمب كلمة أمام المؤتمر شخصياً الأربعاء القادم.
خلفية تاريخية واهتمام أمريكي متجدد بغرينلاند
اهتمام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشراء غرينلاند ليس جديدًا، بل يعود إلى ولايته الأولى، وهو يعكس اهتمامًا أمريكيًا تاريخيًا بهذه الجزيرة الشاسعة. ففي عام 1867، حاول الرئيس أندرو جونسون شراء غرينلاند وأيسلندا، وفي عام 1946، عرض الرئيس هاري ترومان 100 مليون دولار لشراء الجزيرة من الدنمارك. هذه المحاولات المتكررة تؤكد الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند في السياسة الخارجية الأمريكية.
غرينلاند، أكبر جزيرة في العالم، تتمتع بحكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، لكن كوبنهاغن لا تزال مسؤولة عن سياستها الخارجية والدفاعية. موقعها الجغرافي الفريد في شمال الأطلسي، بين أمريكا الشمالية وأوروبا، يمنحها أهمية جيوسياسية كبرى، خاصة مع تزايد الاهتمام بالمنطقة القطبية الشمالية ومواردها الطبيعية المحتملة، بالإضافة إلى وجود قاعدة ثول الجوية الأمريكية الاستراتيجية هناك، والتي تعد جزءًا حيويًا من نظام الدفاع الصاروخي الأمريكي.
تصعيد الخطاب وتأثيره الاقتصادي والجيوسياسي
تصعيد ترمب لخطابه بشأن غرينلاند، والذي تزامن مع عملية أمريكية في فنزويلا أدت إلى اعتقال نيكولاس مادورو، يشير إلى استخدامه للضغوط الاقتصادية كأداة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. هذه السياسة ليست غريبة على إدارة ترمب، التي فرضت رسومًا جمركية على سلع من الصين والاتحاد الأوروبي ودول أخرى في محاولة لإعادة التفاوض على الاتفاقيات التجارية وتحقيق ما يعتبره ‘صفقات أفضل’ للولايات المتحدة.
الرسوم الجمركية المقترحة بنسبة 10%، والتي قد ترتفع إلى 25%، تستهدف دولًا أوروبية رئيسية مثل الدنمارك والسويد والنرويج وفرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة وهولندا وفنلندا. هذه الدول، التي تربطها بالولايات المتحدة علاقات تجارية واقتصادية قوية، ستواجه ضغوطًا اقتصادية كبيرة إذا تم تطبيق هذه الرسوم، مما قد يؤثر على سلاسل الإمداد العالمية ويرفع تكلفة السلع للمستهلكين في الولايات المتحدة وأوروبا على حد سواء، مما يهدد بإشعال حرب تجارية جديدة.
تداعيات دولية في ظل المنتدى الاقتصادي العالمي
تأتي هذه التهديدات في وقت حساس، حيث يجتمع قادة العالم وكبار المديرين التنفيذيين في دافوس بسويسرا لحضور المنتدى الاقتصادي العالمي، وهو ما يضع القضية في صدارة الأجندة الدولية. من المتوقع أن يلقي ترمب كلمة أمام المؤتمر، مما سيوفر له منصة عالمية لتأكيد موقفه وتوضيح دوافعه.
تداعيات هذا التهديد متعددة الأوجه. فبالنسبة للدنمارك، يمثل هذا تحديًا لسيادتها وعلاقاتها التاريخية مع غرينلاند، وقد يؤدي إلى توترات داخلية حول مستقبل الجزيرة. وبالنسبة للدول الأوروبية الأخرى، فإنه يثير تساؤلات حول مستقبل العلاقات التجارية عبر الأطلسي ومدى استعدادها للرضوخ لمطالب أمريكية قد تعتبرها غير مقبولة، مما قد يدفعها لتوحيد موقفها. على الصعيد الإقليمي، يمكن أن يؤدي هذا إلى توترات جيوسياسية في منطقة القطب الشمالي، حيث تتنافس القوى الكبرى على النفوذ والموارد الطبيعية المكتشفة حديثًا.
على الصعيد الدولي، قد يُنظر إلى هذا التهديد على أنه محاولة لفرض الإرادة الأمريكية بالقوة الاقتصادية، مما قد يؤثر على الثقة في النظام التجاري العالمي القائم على القواعد ويشجع دولًا أخرى على اتخاذ إجراءات حمائية مماثلة. إن مستقبل غرينلاند، وعلاقات الولايات المتحدة مع حلفائها الأوروبيين، سيظل محور اهتمام كبير في الفترة القادمة مع تطور هذه الأزمة الدبلوماسية والاقتصادية غير المسبوقة.


