في خطوة سياسية دراماتيكية قد تعيد رسم خريطة التحالفات الدولية، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب تصريحات نارية أشار فيها إلى إمكانية الانسحاب من حلف الناتو (حلف شمال الأطلسي). جاءت هذه التهديدات بعد ما وصفه بفشل الحلفاء في تقديم الدعم اللازم للولايات المتحدة، وتحديداً فيما يتعلق بتأمين الملاحة في مضيق هرمز وسط التوترات المتصاعدة مع إيران. وقد جدد ترمب هجومه المعتاد على الحلف، واصفاً إياه بأنه “نمر من ورق”، في إشارة واضحة إلى تراجع ثقته في فعالية هذا التحالف العسكري التاريخي.
جذور التوتر.. تاريخ من الخلافات حول الإنفاق والدفاع المشترك
لم تكن فكرة التلويح بـ الانسحاب من حلف الناتو وليدة اللحظة في خطاب ترمب السياسي. فمنذ حملته الانتخابية الأولى وفي فترة رئاسته السابقة، طالما انتقد ترمب الدول الأعضاء لعدم التزامها بتخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي. تأسس حلف شمال الأطلسي عام 1949 كدرع واقٍ ضد التوسع السوفيتي خلال الحرب الباردة، واعتمد بشكل أساسي على القوة العسكرية والاقتصادية الأمريكية. ومع مرور العقود، شعرت واشنطن بأنها تتحمل العبء الأكبر من تكلفة حماية أوروبا. هذا السياق التاريخي يفسر حالة الإحباط المتراكمة التي عبر عنها ترمب مؤخراً، حيث يرى أن المعاهدة الدفاعية المشتركة أصبحت عبئاً غير متكافئ، مشيراً إلى أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يدرك تماماً نقاط الضعف الحالية في بنية الحلف.
أزمة مضيق هرمز وانتقادات حادة للحلفاء الأوروبيين
في مقابلته الأخيرة مع صحيفة “تليجراف”، أوضح ترمب أن مسألة خروج الولايات المتحدة من معاهدة الدفاع المشترك باتت تتعدى مجرد “إعادة النظر”. وجاء هذا التصعيد بعد رفض الحلفاء الأوروبيين، وعلى رأسهم بريطانيا، إرسال سفن حربية للمساعدة في إعادة فتح مضيق هرمز. وجه ترمب انتقادات لاذعة لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، مشيراً إلى تراجع قدرات البحرية الملكية البريطانية، ومؤكداً أن الولايات المتحدة وقفت دائماً إلى جانب حلفائها، بما في ذلك دعم أوكرانيا، لكنها لم تجد المعاملة بالمثل عندما احتاجت إليهم. وأضاف بلهجة حاسمة أن الدول التي تعتمد على مضيق هرمز لإمدادات الطاقة يجب أن تتعلم كيف تدافع عن مصالحها بنفسها دون الاعتماد المطلق على الحماية الأمريكية.
تداعيات الانسحاب من حلف الناتو على الأمن العالمي
إن التهديد بـ الانسحاب من حلف الناتو يحمل في طياته تداعيات جيوسياسية عميقة تتجاوز الحدود الأمريكية والأوروبية. على الصعيد الإقليمي، سيؤدي تراجع المظلة الأمنية الأمريكية إلى إجبار الدول الأوروبية على تسريع بناء استقلالية استراتيجية وعسكرية، وهو ما يتطلب ميزانيات ضخمة ووقتاً طويلاً. أما على الصعيد الدولي، فإن أي تصدع في بنية الناتو قد يشجع قوى كبرى أخرى على توسيع نفوذها في مناطق كانت تعتبر تقليدياً تحت النفوذ الغربي. علاوة على ذلك، أكد ماركو روبيو، وزير الخارجية الأمريكي، أن واشنطن ستضطر إلى إعادة تقييم عضويتها إذا استمر الحلفاء في رفض منح أمريكا حقوق استخدام قواعدهم العسكرية عند الحاجة. هذا التحول ينذر بنهاية حقبة “الشيك على بياض” في العلاقات الأطلسية، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على المصالح المتبادلة الصارمة.


