أطلق الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب تحذيراً شديد اللهجة اليوم، معرباً عن رفضه القاطع لعودة نوري المالكي إلى منصب رئيس الوزراء العراقي. وهدد ترمب صراحة بوقف المساعدات الأمريكية للعراق في حال اتخاذ هذا “الخيار السيئ للغاية”، مؤكداً أن مثل هذه الخطوة ستقوض فرص العراق في النجاح والازدهار والحرية.
جاءت تصريحات ترمب عبر حسابه على منصة “تروث سوشال”، حيث انتقد بشدة السياسات والأيديولوجيات التي انتهجها المالكي في السابق، والتي رأى أنها أدت إلى تدهور الأوضاع في العراق. وشدد على ضرورة عدم السماح بتكرار ذلك، مختتماً رسالته بدعوة “اجعلوا العراق عظيماً مرة أخرى”، وهو شعار يذكر بحملته الرئاسية.
المالكي في سياق المشهد السياسي العراقي: خلفية تاريخية
شغل نوري المالكي منصب رئيس الوزراء العراقي لدورتين متتاليتين من عام 2006 إلى 2014، وهي فترة اتسمت بتحديات جسيمة. شهدت هذه السنوات تصاعداً في التوترات الطائفية، وتعمقاً في الاستقطاب السياسي، وواجهت حكومته اتهامات بالمركزية في السلطة وسوء الإدارة. من أبرز الأحداث خلال ولايته كان الانسحاب الكامل للقوات الأمريكية من العراق في عام 2011، وما تلاه من فراغ أمني وسياسي استغلته لاحقاً تنظيمات متطرفة. يعتبر العديد من المحللين والسياسيين، داخل العراق وخارجه، أن بعض السياسات التي اتبعت خلال تلك الفترة، خاصة فيما يتعلق بمعالجة المظالم الطائفية وتحديات الأمن، قد ساهمت بشكل أو بآخر في تهيئة البيئة لظهور وتمدد تنظيم داعش الإرهابي في عام 2014، والذي كاد أن يطيح بالدولة العراقية. لذا، فإن عودة شخصية بهذا الثقل التاريخي والمثير للجدل إلى سدة الحكم تثير مخاوف عميقة لدى الولايات المتحدة وبعض الأطراف الإقليمية والدولية بشأن استقرار العراق ومستقبله.
موقف واشنطن الثابت: مكافحة الفساد وتعزيز الاستقرار
لا تقتصر المخاوف الأمريكية على شخص المالكي فحسب، بل تمتد لتشمل قضايا أوسع تتعلق بالحوكمة والفساد في العراق. في السياق ذاته، كان المبعوث الأمريكي إلى العراق، مارك سافايا، قد أكد في وقت سابق على أن فريقه يعمل ميدانياً لدعم تشكيل حكومة جديدة ومواجهة أزمة الفساد المستشرية في البلاد، واصفاً إياها بأنها “أمر بالغ الأهمية وأكثر إلحاحاً”. وأوضح سافايا أن الجهود الأمريكية لا تقتصر على تتبع الأموال المنهوبة التي هُربت إلى خارج العراق، بل تشمل أيضاً تحديد وجهة هذه الأموال وكيفية استخدامها، كشراء عقارات متعددة في دول مختلفة أو الحصول على جنسيات وجوازات سفر أجنبية للتهرب من المساءلة.
وتشدد واشنطن على أن الفساد لا يضر بالشعب العراقي ويقوض الأمن الوطني فحسب، بل يمكّن الجماعات الإرهابية ويسهم في تغذية أنشطتها عبر دول عدة. وتعهدت الولايات المتحدة بالعمل بشكل وثيق مع وزارة الخزانة الأمريكية ومكتب مراقبة الأصول الأجنبية لضمان فرض المساءلة على جميع الأطراف المتورطة، مؤكدة أنه “لا أحد فوق القانون”.
تداعيات محتملة: على العراق والمنطقة والعلاقات الدولية
إن تهديد ترمب بوقف المساعدات الأمريكية يحمل في طياته تداعيات خطيرة ومتعددة الأوجه. على الصعيد المحلي، يمكن أن تؤدي عودة شخصية مثيرة للجدل مثل المالكي إلى تعميق الانقسامات السياسية والطائفية، مما يعرقل جهود المصالحة الوطنية وإعادة الإعمار في المناطق المحررة من داعش. كما قد يؤثر سلباً على ثقة الشعب العراقي في العملية الديمقراطية وقدرة الحكومة على تلبية احتياجاتهم الأساسية.
إقليمياً، يعتبر استقرار العراق حجر الزاوية للأمن في الشرق الأوسط. أي تغيير في التوازنات السياسية الداخلية قد يؤثر على علاقات العراق بدول الجوار، مثل إيران والمملكة العربية السعودية وتركيا، وربما يؤدي إلى تصعيد التوترات الإقليمية. دولياً، فإن سحب الدعم الأمريكي، الذي يشمل المساعدات العسكرية والاستخباراتية والدبلوماسية، قد يترك العراق عرضة لمزيد من التدخلات الخارجية ويضعف قدرته على مواجهة التحديات الأمنية والاقتصادية، بما في ذلك بقايا تنظيم داعش. كما أن موقف وزارة الخارجية الأمريكية، الذي أشار إليه بيان سابق، يؤكد أن أي حكومة عراقية ذات “علاقة خارجية” لا يمكن أن تضع مصالح العراق أولاً أو تعزز الشراكة المتبادلة مع الولايات المتحدة، مما يبرز حساسية واشنطن تجاه النفوذ الأجنبي في بغداد.
في الختام، تعكس تصريحات ترمب والمواقف الأمريكية الأوسع قلقاً عميقاً بشأن مستقبل العراق، وتؤكد على أن اختيار قيادته ليس مجرد شأن داخلي، بل له تداعيات إقليمية ودولية واسعة النطاق.


