في تحذير أمريكي حاسم، لوّح الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب بقطع شريان الدعم الحيوي عن العراق، في حال قررت بغداد إعادة نوري المالكي إلى منصب رئيس الوزراء. جاء هذا التحذير، الذي وصفه ترمب بـ«الخيار السيئ للغاية»، ليؤكد عمق القلق الأمريكي من تداعيات عودة شخصية مثيرة للجدل إلى سدة الحكم في العراق، خاصة في ظل التوازنات الإقليمية المعقدة.
عبر منصته «تروث سوشال»، كشف ترمب يوم الثلاثاء عن تلقي واشنطن معلومات تفيد باحتمال اتجاه العراق نحو إعادة تنصيب المالكي. وأكد الرئيس الأمريكي السابق أن انتخاب المالكي مجددًا سيعني توقف المساعدات الأمريكية للعراق بشكل كامل، مشددًا على أن تجربة حكم المالكي السابقة، التي شهدت انزلاق البلاد إلى الفقر والفوضى الواسعة، لا ينبغي تكرارها بأي حال من الأحوال.
ولم يقتصر القلق على ترمب وحده، فقد حذّر السيناتور الأمريكي ماركو روبيو، الأحد، من مغبة تشكيل حكومة عراقية موالية لإيران، في إشارة واضحة إلى المخاوف المتزايدة في واشنطن من عودة المالكي. وفي اتصال هاتفي مع رئيس الوزراء العراقي الحالي محمد شياع السوداني، أعرب روبيو عن أمله في أن تعمل الحكومة العراقية المقبلة على ترسيخ مكانة العراق كـ«قوة للاستقرار والازدهار والأمن في الشرق الأوسط»، مؤكداً على أهمية استقلالية القرار العراقي عن التأثيرات الخارجية.
وفي السياق ذاته، أكد مسؤولون في الخارجية الأمريكية أن «حكومة تسيطر عليها إيران لا يمكنها وضع مصالح العراق أولًا، ولا إبعاده عن النزاعات الإقليمية، ولا تعزيز شراكة متوازنة مع الولايات المتحدة». وقد نقل مصدر سياسي عراقي لوكالة فرانس برس أن الولايات المتحدة بعثت برسالة واضحة إلى بغداد مفادها أنها «تستذكر فترة الحكومات السابقة التي ترأسها المالكي بصورة سلبية»، مما يعكس موقفاً أمريكياً راسخاً تجاه تلك الحقبة.
وعلى الرغم من تأكيد موفدين عن الإدارة الأمريكية أن اختيار رئيس الوزراء والمناصب القيادية هو «قرار سيادي عراقي»، إلا أنهم شددوا في الوقت ذاته على أن الولايات المتحدة بدورها ستتخذ «قراراتها السيادية تجاه الحكومة المقبلة بما ينسجم مع المصالح الأمريكية». هذا الموقف يؤكد على النفوذ الأمريكي الكبير في العراق، والذي يتجلى بشكل خاص في ترتيبات إيداع عائدات صادرات النفط العراقية في الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، وهي آلية أُقرت بعد الغزو الأمريكي عام 2003 وتمنح واشنطن ورقة ضغط اقتصادية هامة.
تعد مسألة كبح نفوذ الفصائل الشيعية المسلحة أحد أبرز مطالب واشنطن من الحكومة العراقية. وقد حاز رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني، منذ توليه منصبه عام 2022، ثقة الولايات المتحدة نتيجة لجهوده الملحوظة في الحد من نفوذ هذه المجموعات، مما يعكس تفضيل واشنطن لقيادة قادرة على تحقيق الاستقرار وتوازن القوى الداخلية.
تاريخياً، تولى نوري المالكي رئاسة الوزراء لأول مرة عام 2006 بدعم أمريكي، وساند بقوة العمليات العسكرية الأمريكية ضد تنظيم القاعدة وجماعات متشددة أخرى. إلا أن العلاقة بين واشنطن والمالكي شهدت تحولاً جذرياً لاحقًا، حيث يرى مراقبون أن سياساته الطائفية المفرطة، التي أدت إلى تهميش مكونات أساسية من المجتمع العراقي، ساهمت بشكل مباشر في تهيئة الظروف لظهور تنظيم داعش الإرهابي عام 2014، وهو ما يمثل نقطة سوداء في سجل حكمه.
السياق التاريخي وتداعيات عودة المالكي
لفهم عمق التحذير الأمريكي، يجب العودة إلى السياق التاريخي المعقد للعراق ما بعد عام 2003. فبعد الإطاحة بنظام صدام حسين، واجه العراق تحديات هائلة في بناء دولة ديمقراطية مستقرة، وسط صراعات طائفية وسياسية حادة. جاء المالكي إلى السلطة في فترة حرجة، وكان يُنظر إليه في البداية كشخصية قادرة على توحيد الصفوف. ومع ذلك، شهدت فترة حكمه الثانية (2010-2014) تزايداً في التوتر الطائفي، وتهميشاً للمكون السني، وتمركزاً للسلطة، مما أدى إلى استياء واسع النطاق. هذه السياسات، بالإضافة إلى الفساد المستشري وضعف المؤسسات الأمنية، خلقت بيئة خصبة لعودة الجماعات المتطرفة، وبلغت ذروتها مع اجتياح تنظيم داعش لمساحات واسعة من البلاد في عام 2014، وهو ما دفع الولايات المتحدة إلى التدخل العسكري مجدداً وإجبار المالكي على التنحي.
الأهمية والتأثير المتوقع
إن عودة نوري المالكي إلى رئاسة الوزراء تحمل في طياتها تداعيات خطيرة على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. محلياً، يمكن أن تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي الهش في العراق، وإعادة إحياء الانقسامات الطائفية التي عانى منها البلد طويلاً. كما قد تعرقل جهود الحكومة الحالية في مكافحة الفساد وتحقيق التنمية الاقتصادية، وتثير موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالإصلاح. إقليمياً، ينظر إلى المالكي على أنه مقرب من إيران، وعودته قد تعزز النفوذ الإيراني في العراق بشكل أكبر، مما يغير من موازين القوى في المنطقة ويزيد من حدة التوترات بين المحاور الإقليمية المتنافسة، خاصة مع دول الخليج العربي وتركيا. هذا السيناريو قد يدفع العراق بعيداً عن سياسة التوازن التي يحاول السوداني انتهاجها، ويورطه في صراعات إقليمية لا ناقة له فيها ولا جمل.
دولياً، فإن قطع الدعم الأمريكي عن العراق، كما هدد ترمب، سيكون له تأثيرات اقتصادية وأمنية وخيمة. فالعراق يعتمد بشكل كبير على المساعدات الأمريكية في مجالات التدريب العسكري ومكافحة الإرهاب، بالإضافة إلى الدعم الاقتصادي. إن تراجع الشراكة مع الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام قوى دولية أخرى لملء الفراغ، ويؤثر على جهود مكافحة بقايا تنظيم داعش، التي لا تزال تشكل تهديداً. كما أن استقرار أسواق النفط العالمية يرتبط بشكل وثيق باستقرار العراق، ثاني أكبر منتج للنفط في أوبك، وأي اضطراب سياسي فيه يمكن أن ينعكس سلباً على الاقتصاد العالمي. التحذير الأمريكي يعكس رغبة واشنطن في الحفاظ على عراق مستقر، ذي سيادة، وقادر على أن يكون شريكاً موثوقاً به في المنطقة، بعيداً عن أجندات القوى الإقليمية التي قد تهدد مصالح الولايات المتحدة وحلفائها.


