spot_img

ذات صلة

حقيقة انسحاب ترمب من الناتو وتأثيره على أوكرانيا

أثارت التصريحات والتهديدات الأخيرة للرئيس الأمريكي السابق، دونالد ترمب، موجة من القلق العميق في الأوساط السياسية الأوروبية. فقد عاد الحديث مجدداً وبقوة عن احتمالية انسحاب ترمب من الناتو ووقف الدعم العسكري والمالي الحيوي لأوكرانيا. ونقلت صحيفة «فاينانشيال تايمز» عن مصادر مطلعة أن ترمب لوّح باستخدام ورقة المساعدات العسكرية لأوكرانيا كأداة ضغط مباشرة على الحلفاء الأوروبيين.

الجذور التاريخية لتوتر العلاقات عبر الأطلسي

لفهم المشهد الحالي بشكل دقيق، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. فمنذ ولايته الرئاسية الأولى، تبنى ترمب سياسة خارجية تقوم على شعار «أمريكا أولاً»، ووجه انتقادات لاذعة ومستمرة لحلف شمال الأطلسي. تركزت انتقاداته حينها على عدم التزام العديد من الدول الأعضاء بتخصيص 2% من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق الدفاعي، معتبراً أن واشنطن تتحمل العبء الأكبر في حماية القارة العجوز. هذا التاريخ الحافل بالتوترات يجعل التهديدات الحالية أكثر قابلية للتصديق في العواصم الأوروبية، حيث يُنظر إلى أي إدارة أمريكية بقيادة ترمب على أنها تحدٍ مباشر للتحالفات التقليدية التي أرست قواعد الأمن الغربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

ربط الملفات: أوكرانيا ومضيق هرمز

في تطور لافت للأحداث، كشفت التقارير أن واشنطن تسعى لتشكيل «تحالف الراغبين» لإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر مائي استراتيجي وحيوي لتجارة النفط العالمية. وقد طالب ترمب دول حلف الناتو بالمساعدة في هذا الملف، ملوحاً بوقف إمدادات الأسلحة لأوكرانيا في حال الرفض. إلا أن العواصم الأوروبية رفضت هذا الربط بشكل قاطع، مؤكدة أن المشاركة في فتح مضيق هرمز تعد أمراً مستحيلاً في ظل استمرار الصراع الروسي الأوكراني الدامي، مشيرين إلى أن هذه الأزمة ليست حربهم المباشرة، مما دفع ترمب للتفكير جدياً في تقليص التزامات بلاده.

الأهمية الاستراتيجية وتأثير انسحاب ترمب من الناتو

إن مجرد التلويح بفكرة انسحاب ترمب من الناتو يحمل أهمية بالغة وتأثيراً متوقعاً يمتد على كافة الأصعدة. محلياً في الولايات المتحدة، يثير هذا التوجه انقسامات حادة بين تيار الانعزالية والمؤسسة العسكرية التقليدية التي ترى في التحالفات قوة لأمريكا. وإقليمياً، يهدد هذا المسار بانهيار الجبهة الموحدة الداعمة لكييف، مما قد يمنح روسيا تفوقاً استراتيجياً حاسماً في حربها ضد أوكرانيا ويشكل تهديداً مباشراً لأمن أوروبا الشرقية. أما دولياً، فإن إضعاف التحالف العسكري الأقوى في العالم يرسل رسائل مقلقة للحلفاء في آسيا والشرق الأوسط، ويشجع القوى المنافسة على تحدي النظام العالمي القائم.

العوائق التشريعية أمام القرارات الرئاسية

رغم هذه التهديدات المتصاعدة، قللت صحيفة «نيويورك تايمز» من سهولة اتخاذ هذا القرار. فالانسحاب الفعلي للولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي ليس نزهة سياسية، ولا يستطيع الرئيس سحب بلاده دون موافقة الكونغرس. وأكد دبلوماسيون أوروبيون ومسؤولون في الحلف لوكالة «بلومبيرغ» أن هناك تشريعات أمريكية حديثة تمنع الرئيس من الانسحاب دون دعم ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ. كما أن القوانين الحالية تجعل من الصعب جداً سحب أعداد كبيرة من القوات أو أنظمة الأسلحة الاستراتيجية من أوروبا بشكل مفاجئ.

سيناريو التجميد: الخطر الأكبر من الانسحاب الرسمي

تدرك العواصم الأوروبية هذه القيود التشريعية، مما يجعل الانسحاب الأحادي غير مرجح من الناحية القانونية. ومع ذلك، فإن المخاوف الحقيقية تتركز في سيناريو آخر أكثر خطورة؛ وهو أن تبقى الولايات المتحدة داخل الحلف مع رفض الإدارة الأمريكية الالتزام بـ «المادة الخامسة» من ميثاق الناتو، والتي تنص على مبدأ الدفاع المشترك وأن الهجوم على دولة عضو هو هجوم على الجميع. إضافة إلى ذلك، يخشى الحلفاء من احتمالية عدم تمديد المظلة النووية الأمريكية لحماية أوروبا، مما سيؤدي عملياً إلى شلل الحلف وإفراغه من مضمونه الرادع، وكشف الانقسامات العميقة في وقت تحاول فيه أوروبا مواصلة دعم أوكرانيا ومواجهة النفوذ الروسي.

spot_imgspot_img