أصدرت محكمة الاستئناف في تونس حكماً يقضي بالسجن لمدة 24 عاماً بحق رئيس الوزراء الأسبق والقيادي البارز في حركة النهضة، علي العريض، وذلك على خلفية إدانته في القضية المعروفة إعلامياً بـ«ملف التسفير»، والتي تتعلق بتسهيل سفر شبان تونسيين إلى بؤر التوتر والإرهاب في سوريا خلال العقد الماضي.
تفاصيل الأحكام القضائية الجديدة
نقلت وكالة الأنباء التونسية تفاصيل الأحكام الصادرة عن الدائرة الجنائية المختصة بالنظر في قضايا الإرهاب، حيث شملت الأحكام ثمانية متهمين، بينهم قيادات أمنية وسياسية سابقة. وجاءت الأحكام متفاوتة بين 3 سنوات و24 عاماً، مع إخضاع المدانين للمراقبة الإدارية.
وإلى جانب علي العريض، قضت المحكمة بسجن فتحي بلدي وعبد الكريم العبيدي لمدة 22 عاماً لكل منهما، بينما نال نور الدين قندوز حكماً بالسجن لمدة 28 عاماً. كما شملت الأحكام السجن 24 عاماً للطفي الهمامي وهشام السعدي، و6 أعوام لسامي الشعار، و3 أعوام لسيف الدين الرايس. وتضمنت القرارات وضع المحكوم عليهم تحت المراقبة الإدارية لمدد تتراوح بين عامين وخمسة أعوام بعد انقضاء العقوبة السجنية.
خلفيات «ملف التسفير» المثير للجدل
يعتبر ملف «التسفير» واحداً من أكثر الملفات تعقيداً وحساسية في المشهد التونسي ما بعد ثورة 2011. وتعود أطوار القضية إلى الفترة التي تولت فيها «الترويكا» بقيادة حركة النهضة مقاليد الحكم، حيث شهدت تلك الفترة تدفقاً غير مسبوق لآلاف الشباب التونسيين نحو مناطق النزاع في سوريا والعراق وليبيا للانضمام إلى تنظيمات مسلحة مثل «داعش».
وتوجه جهات سياسية وقضائية اتهامات لمسؤولين في تلك الفترة، وعلى رأسهم علي العريض الذي شغل منصبي وزير الداخلية ورئيس الحكومة، بالتراخي الأمني أو التواطؤ في استخراج جوازات سفر وتسهيل عبور هؤلاء المقاتلين، وهو ما نفته حركة النهضة مراراً، معتبرة أن هذه الاتهامات تأتي في سياق «تصفية حسابات سياسية».
السياق السياسي وتداعيات الحكم
يأتي هذا الحكم في وقت تشهد فيه تونس استقطاباً سياسياً حاداً منذ الإجراءات التي اتخذها الرئيس قيس سعيد في 25 يوليو 2021. وقد شنت السلطات حملة توقيفات واسعة طالت قيادات الصف الأول في حركة النهضة، بمن فيهم رئيس الحركة راشد الغنوشي، بتهم تتعلق بالتآمر على أمن الدولة والفساد المالي والإرهاب.
ويرى مراقبون أن هذه الأحكام الثقيلة تعكس توجهاً حازماً من القضاء التونسي في التعامل مع ملفات العشرية الماضية، خاصة تلك المتعلقة بالأمن القومي. محلياً، من المتوقع أن يثير الحكم ردود فعل متباينة؛ حيث يعتبره مؤيدو الرئيس سعيد خطوة ضرورية للمحاسبة وكشف الحقيقة حول شبكات الإرهاب، بينما تراه المعارضة جزءاً من حملة ممنهجة لإنهاء الوجود السياسي للإسلاميين في تونس.
إقليمياً ودولياً، يظل ملف المقاتلين الأجانب العائدين من بؤر التوتر هاجساً أمنياً، وتعتبر المحاكمات الجارية في تونس جزءاً من مسار أوسع لمعالجة تركة السنوات الماضية التي حولت تونس في وقت ما إلى أحد أكبر المصدرين للمقاتلين الأجانب، مما يجعل لهذه الأحكام صدى يتجاوز الحدود المحلية.


