البنك المركزي التركي يخفض الفائدة 100 نقطة أساس: تحليل الأسباب والتداعيات الاقتصادية
في خطوة اقتصادية لافتة، أعلن البنك المركزي التركي اليوم عن خفض معدل الفائدة الرئيسي بواقع 100 نقطة أساس، ليصبح 37% بعد أن كان 38%. وقد بررت لجنة السياسة النقدية هذا القرار باستمرار تراجع توجه التضخم الأساسي، مؤكدة التزامها بإيجاد الظروف النقدية والمالية اللازمة للوصول إلى هدف التضخم على المدى المتوسط وهو 5%.
سياق القرار: تحول في السياسة النقدية التركية
يأتي هذا الخفض في أسعار الفائدة ضمن سياق اقتصادي تركي معقد ومتغير. فبعد سنوات من السياسات النقدية غير التقليدية التي شهدت إبقاء أسعار الفائدة منخفضة بشكل مصطنع حتى في ظل ارتفاع التضخم، وهو نهج كان يدعمه الرئيس رجب طيب أردوغان اعتقادًا منه بأن أسعار الفائدة المرتفعة هي سبب التضخم، شهدت تركيا تحولًا ملحوظًا بعد الانتخابات الرئاسية في مايو 2023. مع تعيين فريق اقتصادي جديد، بما في ذلك محافظ جديد للبنك المركزي ووزير للمالية، بدأت البلاد في العودة إلى سياسات نقدية أكثر تقليدية، تمثلت في سلسلة من الرفع القوي لأسعار الفائدة لمكافحة التضخم الجامح الذي وصل إلى مستويات قياسية.
وقد سبقت هذه الخطوة تخفيضات مماثلة في الأشهر الماضية، حيث خفض البنك المركزي معدل الفائدة بواقع 150 نقطة أساس في ديسمبر الماضي وبواقع 100 نقطة أساس في أكتوبر الماضي. هذه التخفيضات المتتالية، بعد فترة من التشديد النقدي، تشير إلى أن البنك المركزي قد يرى أن ذروة التضخم الأساسي قد مرت، أو أنه يسعى لتحقيق توازن بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي، خاصة مع تباطؤ النمو العالمي.
معدل التضخم والتحديات المستمرة
على الرغم من قرار الخفض، لا يزال معدل التضخم في تركيا يمثل تحديًا كبيرًا. ففي ديسمبر الماضي، انخفض معدل تضخم أسعار المستهلكين إلى 30.89%، وهو أدنى مستوى يتم تسجيله منذ أكثر من أربعة أعوام. ورغم أن هذا الانخفاض يعد إيجابيًا، إلا أن الرقم لا يزال مرتفعًا جدًا مقارنة بالمعايير العالمية وهدف البنك المركزي البالغ 5%. هذا التباين يضع البنك المركزي أمام مهمة دقيقة، حيث يجب عليه إدارة التوقعات وتجنب أي إشارات قد تؤدي إلى تجدد الضغوط التضخمية أو زعزعة استقرار الليرة التركية.
التأثيرات المتوقعة: محليًا وإقليميًا ودوليًا
على الصعيد المحلي: يمكن أن يؤدي خفض أسعار الفائدة إلى تقليل تكلفة الاقتراض للشركات والأفراد، مما قد يحفز الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي وبالتالي يدعم النمو الاقتصادي. ومع ذلك، فإن هذا قد يأتي على حساب زيادة الضغوط التضخمية إذا لم يتم التحكم فيها بفعالية. كما أن استقرار الليرة التركية سيكون عاملًا حاسمًا، حيث أن أي ضعف جديد في العملة يمكن أن يغذي التضخم المستورد.
على الصعيد الإقليمي والدولي: يراقب المستثمرون الدوليون عن كثب السياسات النقدية التركية. فقرار خفض الفائدة قد يُنظر إليه بشكل مختلف؛ فقد يراه البعض إشارة إلى ثقة البنك المركزي في مسار التضخم، بينما قد يراه آخرون خطوة مبكرة قد تعرض استقرار الاقتصاد للخطر. هذا التباين في التقييم يمكن أن يؤثر على تدفقات رأس المال الأجنبي إلى تركيا، وعلى نظرة وكالات التصنيف الائتماني. في سياق عالمي يتجه فيه العديد من البنوك المركزية الكبرى نحو تشديد السياسة النقدية أو الحفاظ على مستويات فائدة مرتفعة، فإن قرار تركيا بالخفض يضعها في مسار مختلف، مما قد يزيد من التدقيق في أدائها الاقتصادي.
في الختام، يمثل قرار البنك المركزي التركي بخفض أسعار الفائدة خطوة جريئة تعكس تقييمه للوضع الاقتصادي الحالي وتطلعاته المستقبلية. ومع ذلك، فإن تحقيق هدف التضخم البالغ 5% والحفاظ على استقرار الاقتصاد الكلي سيتطلب يقظة مستمرة وتنسيقًا فعالًا بين السياسات النقدية والمالية.


