spot_img

ذات صلة

تركيا تتوسط بين أمريكا وإيران: حوار مشروط وتوتر متصاعد

في ظل تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، برزت تركيا كلاعب دبلوماسي رئيسي، حيث أعلنت الرئاسة التركية عن استعداد الرئيس رجب طيب أردوغان للاضطلاع بدور الوسيط بين طهران وواشنطن. جاء هذا الإعلان خلال اتصال هاتفي بين أردوغان ونظيره الإيراني مسعود بيزشكيان، حيث أكد الرئيس التركي أن أنقرة مستعدة لتخفيف حدة التوتر وحل القضايا العالقة بين البلدين.

تأتي هذه المبادرة التركية في سياق تاريخي معقد للعلاقات الأمريكية الإيرانية، التي شهدت تقلبات حادة على مدى عقود. فبعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة – JCPOA) في عام 2015، والذي كان يهدف إلى تقييد البرنامج النووي الإيراني مقابل رفع العقوبات الدولية، انسحبت الولايات المتحدة أحادياً من الاتفاق في عام 2018 خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب. وقد أدى هذا الانسحاب إلى إعادة فرض عقوبات اقتصادية قاسية على إيران، مما فاقم التوترات ودفع طهران إلى تقليص التزاماتها النووية تدريجياً، ممهداً الطريق للأزمة الحالية.

من جانبها، أكدت طهران على شروطها المسبقة لأي حوار. فقد أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن الرئيس بيزشكيان شدد لأردوغان على أن “الشرط الأساسي لنجاح أي مبادرة دبلوماسية هو إظهار حسن النية من جانب الأطراف المعنية ونبذ الأعمال العدائية”. وأوضح الرئيس الإيراني أن إرساء مسارات دبلوماسية فعالة يتطلب تهيئة مناخ من الثقة المتبادلة، مؤكداً أن نهج بلاده “قائم على الحوار والاحترام ومنطق الربح للطرفين ورفض استخدام القوة”.

وفي أنقرة، التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بنظيره التركي هاكان فيدان. وخلال مؤتمر صحفي مشترك، دعا فيدان كلاً من الولايات المتحدة وإيران إلى الجلوس إلى طاولة المفاوضات لحل القضايا بينهما، مجدداً رفض أنقرة لأي تدخل أجنبي في إيران. وأعرب فيدان عن أمله في إمكانية التوصل لحلٍّ لتجنب أي صراع وعزلة لإيران، مشدداً على أهمية استئناف المحادثات الأمريكية الإيرانية بشأن البرنامج النووي لتخفيف التوتر بالمنطقة. كما أشار إلى تواصله مع المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، مؤكداً استمرار الجهود الدبلوماسية التركية.

بدوره، أكد الوزير عراقجي استعداد بلاده لاستئناف المحادثات مع الولايات المتحدة، لكن بشرط أن تكون المفاوضات “عادلة ومنصفة”. وانتقد عراقجي ما وصفه بـ”الإشارات المتناقضة” من الجانب الأمريكي، مشدداً على أن “الهجمات العسكرية ليست حلاً”. والأهم من ذلك، أعلن عراقجي بوضوح أن طهران لن تتفاوض بشأن قدراتها الدفاعية، مؤكداً أنها ستحافظ عليها وتوسعها. كما لفت إلى أن البرنامج النووي لن يكون جزءاً من هذه المحادثات، وأن بلاده تحتاج إلى الاطلاع على الشروط المسبقة وجدول الأعمال أولاً قبل أي لقاء مع مسؤولين أمريكيين.

على الجانب الآخر، كرر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعلان عزمه إجراء محادثات مع إيران، لكن تصريحاته ترافقت مع استعراض للقوة. فقد أشار إلى إرسال سفن حربية ضخمة وقوية إلى الشرق الأوسط، قائلاً: “سيكون من الأفضل ألا نضطر لاستخدامها”. هذه التصريحات، التي تجمع بين دعوة للحوار وتهديد ضمني، تعكس التعقيد والتوتر الذي يكتنف العلاقات بين البلدين.

إن أهمية هذا الحوار المحتمل تتجاوز حدود البلدين المعنيين. فالشرق الأوسط منطقة حيوية للاستقرار العالمي، وأي تصعيد بين واشنطن وطهران يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة على الأمن الإقليمي والدولي، بما في ذلك التأثير على أسعار النفط العالمية وحركة الملاحة البحرية في الخليج. كما أن الفشل في احتواء التوترات قد يدفع المنطقة نحو صراع أوسع نطاقاً، مما يهدد حياة الملايين ويقوض جهود التنمية والاستقرار.

في هذا السياق، تلعب تركيا دوراً محورياً كقوة إقليمية تسعى للحفاظ على التوازن والاستقرار. فموقعها الجغرافي وعلاقاتها التاريخية مع كل من الولايات المتحدة وإيران يمنحها القدرة على أن تكون جسراً للدبلوماسية. إن نجاح هذه الجهود التركية يمكن أن يفتح آفاقاً جديدة لحل النزاعات بالطرق السلمية ويجنب المنطقة المزيد من الاضطرابات، بينما فشلها قد يترك الباب مفتوحاً أمام خيارات أكثر خطورة. إن العالم يراقب عن كثب هذه التطورات، آملاً في أن تسود لغة الحوار على لغة التهديد.

spot_imgspot_img