spot_img

ذات صلة

تركيا: خروقات قسد تعرقل اندماج سوريا وتزيد التوتر

أنقرة تحذر من تداعيات استمرار الخروقات على جهود الاستقرار في سوريا

أعلنت وزارة الدفاع التركية أن استمرار قوات سورية الديمقراطية (قسد) في خرق اتفاقي وقف إطلاق النار الموقّعين في 10 مارس و18 يناير، ينعكس سلباً وبشكل مباشر على مسار الاندماج الجاري في سوريا. وأشارت الوزارة إلى أن هذه الخروقات تتخذ شكل أعمال استفزازية وتحركات وصفتها بـ«المتحرّشة»، مما يهدد جهود التهدئة والاستقرار في المنطقة.

تأتي هذه التحذيرات التركية في سياق معقد تشهده الساحة السورية، حيث تتابع أنقرة عن كثب التطورات الميدانية، مؤكدة أنها تتخذ جميع التدابير اللازمة لضمان أمن وحداتها المنتشرة في المنطقة، وحماية أفرادها وحدودها من أي تهديدات محتملة قد تنجم عن هذه الخروقات. وفي خطوة تعكس بعض التفاؤل، رحبت وزارة الدفاع التركية بخطوة الحكومة السورية المتعلقة بفتح ممر للمساعدات الإنسانية في المنطقة، معتبرة أن هذه المبادرة تمثل تطوراً إيجابياً يمكن أن تسهم في تحسين الوضع الإنساني المتدهور.

السياق التاريخي والجيوسياسي للتوترات

لفهم أبعاد هذه التطورات، لا بد من استعراض السياق الأوسع للصراع السوري الذي دخل عقده الثاني. برزت قوات سورية الديمقراطية (قسد)، التي تشكل وحدات حماية الشعب الكردية (YPG) عمودها الفقري، كقوة فاعلة في شمال وشرق سوريا، خاصة بعد دورها المحوري في مكافحة تنظيم داعش الإرهابي بدعم من التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة. إلا أن تركيا، التي تعتبر وحدات حماية الشعب امتداداً لحزب العمال الكردستاني (PKK) المصنف كمنظمة إرهابية، تنظر إلى وجود “قسد” على حدودها الجنوبية كتهديد مباشر لأمنها القومي. وقد شنت تركيا عدة عمليات عسكرية كبرى في شمال سوريا، مثل “درع الفرات” و”غصن الزيتون” و”نبع السلام”، بهدف إبعاد هذه القوات وإنشاء “منطقة آمنة” على حدودها.

اتفاقيات وقف إطلاق النار المشار إليها، مثل اتفاق 10 مارس (الذي يُرجح أنه يشير إلى اتفاقات سابقة برعاية روسية أو أمريكية) واتفاق 18 يناير الأخير، غالباً ما تكون ثمرة مفاوضات معقدة تشارك فيها قوى إقليمية ودولية. هذه الاتفاقيات تهدف إلى تثبيت الهدوء ومنع التصعيد، لكن استمرار الخروقات يهدد بتقويض هذه الجهود ويعكس عمق التحديات الأمنية والسياسية في المنطقة.

تحديات الاندماج وتأثيره المحتمل

تأتي التحذيرات التركية في أعقاب جولة تفاوض جديدة عقدها قائد قوات سورية الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي ومسؤولون في «الإدارة الذاتية الكردية» لشمال شرق سورية مع الحكومة السورية في العاصمة دمشق قبل أيام. وقد تم التوافق خلال هذه الجولة على عدد من القضايا، من بينها العمل على دمج المؤسسات في مناطق الرقة ودير الزور وغيرها بالدولة السورية. ويعد دمج «قسد» أحد أكبر التحديات أمام دمشق، حيث كان عبدي يتمسك سابقاً بدمجها ككتلة واحدة، إلا أنه وافق مؤخراً على الدمج الفردي وفق اتفاق يناير، وهو ما يمثل تحولاً مهماً في موقفه.

إن مسار الاندماج هذا يحمل أهمية بالغة على عدة مستويات. محلياً، يمكن أن يؤدي إلى إعادة توحيد المؤسسات السورية وتقليل الانقسامات الإدارية والعسكرية، مما قد يسهم في تحسين الخدمات وتخفيف معاناة السكان. ومع ذلك، فإن الفشل في تحقيق الاندماج السلس قد يؤدي إلى تجدد الاشتباكات وتفاقم الأوضاع الإنسانية. إقليمياً، تتابع دول الجوار، وخاصة تركيا، هذه التطورات بقلق، حيث يمكن أن يؤثر نجاح أو فشل الاندماج على توازن القوى الإقليمي وعلى أمن الحدود. دولياً، يعكس هذا المسار تعقيدات المشهد السوري وتضارب مصالح القوى الكبرى، فالولايات المتحدة تدعم “قسد” بينما تدعم روسيا الحكومة السورية. أي تقدم نحو الاندماج يمكن أن يغير ديناميكيات النفوذ ويؤثر على مستقبل الحل السياسي الشامل في سوريا.

الاتفاق الجديد، الذي جاء بعد نحو عام من اتفاق 10 مارس الذي تبادلت دمشق و«قسد» الاتهامات حول المماطلة في تنفيذ بنوده، يمثل فرصة هشة لتحقيق الاستقرار. وقد اتفق الطرفان في 18 يناير على تمديد وقف إطلاق النار حتى 8 فبراير القادم، مما يمنح مساحة ضيقة للمفاوضات والعمل على تطبيق بنود الاندماج. إن استمرار الخروقات، كما تحذر تركيا، يهدد بتقويض هذه الفرصة ويدفع المنطقة نحو مزيد من عدم اليقين والتوتر.

spot_imgspot_img