spot_img

ذات صلة

تركي الدخيل: هجر الغثاء وأهمية المحتوى الهادف في رمضان

صورة تركي الدخيل

يُعد تركي الدخيل، الإعلامي والكاتب والدبلوماسي السعودي البارز، شخصية محورية في المشهد الثقافي والإعلامي العربي. اشتهر الدخيل بمسيرته المهنية الطويلة التي جمعت بين العمل الصحفي، وتقديم البرامج التلفزيونية المؤثرة، وصولاً إلى تمثيله للمملكة كسفير. هذه المسيرة الحافلة أكسبته رؤية عميقة حول تحديات الإعلام المعاصر وأهمية المحتوى الهادف. في حوار خاص، يشارك الدخيل قراءه تأملاته الرمضانية وذكرياته الشخصية، ليختتمها بدعوة صريحة ومُلحة لهجر “الغثاء” في عالمنا الرقمي المتسارع، مؤكداً على ضرورة التركيز على ما يُثري العقل والروح.

ذكريات رمضانية من الطفولة: غرس القيم والألفة العائلية

تأخذنا كلمات تركي الدخيل في رحلة إلى ذكريات الطفولة الرمضانية، حيث تتجلى بساطة الحياة وجمالها. يستذكر الدخيل كيف كانت الجدات، رحمهن الله، يغرسن حب الصيام في نفوس الأطفال عبر “تمرينات تربوية لطيفة”، تبدأ بالإفطار عند الظهر ثم العصر، مما يهيئهم نفسياً وروحياً لاستقبال فريضة الصيام عند البلوغ. هذه الممارسات لم تكن مجرد تدريب على العبادة، بل كانت جزءاً لا يتجزأ من بناء شخصية الطفل وتأصيله في القيم الإسلامية والاجتماعية، وتُعد نموذجاً تربوياً يُحتذى به في غرس الفضائل.

يُبرز الدخيل جانباً آخر من جمال رمضان في طفولته، وهو كونه الشهر الوحيد الذي يضمن اجتماع العائلة بأكملها على مائدتي الإفطار والسحور. هذه اللحظات العائلية، التي قد تبدو بسيطة، تحمل في طياتها قيمة اجتماعية عظيمة، حيث تعزز الألفة والمحبة والمودة، وتُشكل ركيزة أساسية لتماسك الأسرة والمجتمع. ففي زمن تتزايد فيه وتيرة الحياة وتتشتت فيه الروابط، يظل رمضان مناسبة فريدة لتجديد هذه الروابط وتقوية أواصر القربى، وهو ما يتفق مع روح الشهر الكريم التي تدعو إلى التآلف والتراحم والتكافل الاجتماعي.

الحنين للإنسان وقيمة المكان: مائدة الجد كرمز

يُعبر الدخيل عن حنينه للإنسان أكثر من حنينه للمكان، مؤكداً أن “الإنسان هو الذي يصنع القيمة للمكان”. هذه الفلسفة تتجلى بوضوح في استذكاره لمائدة جده الشيخ عبدالعزيز بن محمد الدخيل، رحمه الله، في أول أيام رمضان. يصف الدخيل وجه جده المستدير كقرص القمر، مبتسماً فرحاً بقدوم الشهر الفضيل واجتماع ذريته. هذه الصورة الحية لا تعكس فقط حباً شخصياً، بل تُجسد قيمة الجد كرمز للحكمة والبركة والوحدة العائلية في الثقافة العربية والإسلامية، حيث تُعد مجالس الكبار محوراً لتجمع الأجيال وتبادل الخبرات.

كانت تلك اللقاءات الرمضانية حول مائدة الجد فرصة لتبادل التهاني والدعوات الصادقة، تليها لحظات من السكينة والهدوء قبل الإفطار، حيث تخرج التمتمات بالدعوات من أفواه الصائمين. بعد الإفطار وصلاة المغرب، تعود العائلة للاجتماع على مائدة العشاء، مجددةً أواصر المحبة والألفة. هذه الطقوس العائلية ليست مجرد عادات، بل هي ممارسات تُعزز الانتماء وتُرسخ القيم الأصيلة، وتُشكل جزءاً لا يتجزأ من الهوية الثقافية للمجتمع السعودي، وتُسهم في نقل التراث من جيل إلى جيل.

القراءة والكتابة: نعمة وشغف لا ينضب

بالانتقال إلى حاضره، يرى تركي الدخيل في قدرته على القراءة والكتابة نعمة عظيمة من الله، معتبراً إياها من أعظم النعم التي مُنحها. هذا التقدير للمعرفة يعكس شغفه الدائم بالعلم والثقافة، ويؤكد على دوره ككاتب ومفكر يسعى لإثراء المحتوى العربي. وفي سياق حديثه عن رمضان، يُشير إلى فقدانه لكثيرين، أبرزهم جده، رجل القرآن والعابد، الذي اختار مجاورة النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة وتوفي ودُفن بها. هذه اللحظات من الاستذكار تُبرز البعد الروحي العميق في حياة الدخيل، وارتباطه الوثيق بالقيم الدينية والإسلامية.

يحرص الدخيل على عادة قراءة القرآن الكريم في مطلع رمضان، ويجد سعادته الكبرى في قربه من أسرته وأحبته خلال هذا الشهر. أما عن الأطباق الرمضانية، فيُشير إلى الشوربة والسمبوسة كأطباق أساسية على مائدته، وهي أطباق تُعد جزءاً لا يتجزأ من المطبخ الرمضاني السعودي والعربي، وتُضفي نكهة خاصة على أجواء الشهر الفضيل، وتُعبر عن التقاليد المتوارثة.

تتطرق المقابلة أيضاً إلى ذكرياته الدراسية، حيث يستذكر معاناته وزملاءه من الدوام المدرسي في رمضان خلال المرحلة المتوسطة، وكيف كانوا يلجأون إلى حنفيات الماء البارد للتخفيف من حرارة الصيام. هذه الذكريات تُظهر كيف تتشكل التجارب المشتركة جزءاً من الذاكرة الجماعية، وكيف تتكيف المجتمعات مع تحديات الحياة اليومية وتُنمي روح الصبر والمثابرة.

وفيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، يُفسر الدخيل تناقص عدد الأصدقاء مع التقدم في العمر بانشغال الناس بتفاصيل حياتهم، وسهولة الانتقال والسفر، بالإضافة إلى حقيقة أن التقدم في العمر هو “مظنة للانتقال من هذه الدار إلى دار القرار”. هذه الرؤية الفلسفية تُقدم تأملاً عميقاً في طبيعة العلاقات الإنسانية ودورة الحياة، وتُذكر بأهمية استثمار الوقت في ما هو نافع.

دعوة لهجر الغثاء: نحو إعلام قيمي ومسؤول

يُختتم الحوار بدعوة تركي الدخيل الجريئة والضرورية لهجر “الغثاء” في الإعلام، وهي النقطة المحورية في رسالته. يُعرف “الغثاء” بأنه المحتوى الضعيف، غير المفيد، أو الذي يفتقر إلى القيمة الحقيقية، والذي يتزايد انتشاره في عصر الإعلام الرقمي ومنصات التواصل الاجتماعي. يرى الدخيل أن مجرد الحديث عن الغثاء، حتى في سياق نقده، يُساهم في الترويج له وزيادة انتشاره، مما يُعزز من سطحيته ويُبعد الجمهور عن المحتوى الجاد.

لذا، يدعو الدخيل إلى استراتيجية واضحة: “يجب أن نوسع دوائر الحديث عن المحتوى القيمي، وفي المقابل نقلل دوائر الحديث عن الغثاء، في طريق إلغاء الحديث عن هذا الغث بالكلية.” هذه الرؤية تتجاوز مجرد النقد السلبي لتُقدم حلاً إيجابياً يتمثل في التركيز على إنتاج ونشر المحتوى الذي يُثري المعرفة، يُعزز القيم الإيجابية، ويُساهم في بناء مجتمع واعٍ ومثقف. إنها دعوة لتبني ثقافة إعلامية مسؤولة، تُعلي من شأن الجودة والمصداقية، وتُحارب التسطيح والابتذال. في عصر تضخم المعلومات وتحديات الأخبار الزائفة، تُصبح هذه الدعوة أكثر إلحاحاً، فهي تُمثل بوصلة نحو إعلام أكثر نفعاً وتأثيراً إيجابياً على الفرد والمجتمع، وتُسهم في تشكيل وعي جمعي قادر على التمييز بين الغث والسمين.

spot_imgspot_img