لم يكن ديربي الرياض الأخير، الذي حُسم بنتيجة 3-1 لصالح الهلال، مجرد مباراة كرة قدم عادية، بل تحوّل إلى شرارة نقاش أوسع تجاوز المستطيل الأخضر، ووصل إلى استديوهات التحليل الرياضي، بعدما شهدت حلقة برنامج «نادينا» على قناة MBC الانسحاب المفاجئ للإعلامي تركي السهلي على الهواء مباشرة. هذه الحادثة لم تكن مجرد خلاف عابر، بل كشفت عن طبقات أعمق في طبيعة الخطاب الإعلامي الرياضي وحدود الاختلاف في الرأي، خاصة في ظل حساسية جماهيرية وإعلامية عالية لمثل هذه المواجهات الكبرى.
يُعد ديربي الرياض بين الهلال والنصر أحد أبرز وأعرق الديربيات في كرة القدم السعودية والآسيوية على الإطلاق. تتجاوز أهميته مجرد المنافسة على النقاط أو البطولات، ليصبح جزءاً لا يتجزأ من الهوية الرياضية للمملكة. تاريخياً، لطالما اتسمت مواجهات الفريقين بالشغف الجماهيري الكبير والندية الشديدة داخل الملعب وخارجه، مما يجعل كل تفصيلة تتعلق بهما محط أنظار الملايين. وفي السنوات الأخيرة، ومع تزايد الاستثمار في الدوري السعودي للمحترفين واستقطاب نجوم عالميين، ارتفعت وتيرة الاهتمام الإعلامي والجماهيري بالكرة السعودية بشكل غير مسبوق، مما يضع ضغوطاً إضافية على المحللين والإعلاميين لتقديم محتوى يرضي جميع الأطراف، وهو أمر يكاد يكون مستحيلاً في ظل التنافس المحتدم.
الواقعة التي بدت للوهلة الأولى خلافاً عادياً في وجهات النظر، سرعان ما كشفت أزمة أعمق تتعلق بخطاب التحليل الرياضي وحدود الاختلاف بين الضيف والمقدّم، في واحدة من أكثر مباريات الموسم حساسية جماهيرياً وإعلامياً. فخلال تحليله للمباراة، قدّم تركي السهلي قراءة فنية اعتبر فيها أن الشوط الأول جاء متكافئاً، بينما تغيّر إيقاع المواجهة في الشوط الثاني بشكل جذري. هنا، ذهب السهلي إلى أن الحكم أصبح «العنوان الأبرز» للمباراة؛ بسبب قرارات تحكيمية أثّرت على مجرياتها بشكل مباشر، بدءاً من ركلة الجزاء التي سجل منها سالم الدوسري هدف التعادل، وصولاً إلى طرد حارس النصر نواف العقيدي، وهي نقاط أثارت جدلاً واسعاً بين الجماهير والمختصين.
ولم يكتفِ السهلي بذلك، بل ذهب أبعد من ذلك، معتبراً أن هناك من لجأ إلى استفزاز لاعبي النصر لإخراجهم عن تركيزهم، في ظل شعور – على حد تعبيره – بأن النصر كان الطرف الأفضل فنياً داخل الملعب قبل تلك الأحداث. هذه التصريحات، التي لامست عصب الحساسية الجماهيرية، كانت الشرارة التي أشعلت النقاش.
وهنا دخل مقدم البرنامج عبدالرحمن الحميدي على خط النقاش، مطالباً السهلي بالموضوعية، ومشيراً إلى أن الطرح المقدم لا يجب أن يقتصر على «كلام إنشائي» لا يستند إلى حقائق ملموسة. هذه الجملة كانت نقطة التحول الحاسمة، إذ رأى السهلي أن المذيع تجاوز دوره الأساسي في إدارة الحوار إلى تبنّي موقف مضاد، مؤكداً أن اعتراضه لا علاقة له بالانتماءات أو الميول الرياضية، بل بطريقة التعامل مع رأيه الفني والتحليلي الذي يقدمه كإعلامي متخصص.
ورغم تأكيد الحميدي أن الأمر لا يرتبط بأي نادٍ أو ميول، وأن هدفه هو إثراء النقاش وتقديم تحليل متوازن، تصاعد النقاش بوتيرة سريعة، ليختتمه السهلي بجملة حاسمة تعكس رفضه التام لوصف حديثه: «ليس من المنطقي أن يُوصَف حديثي بالمرسل والإنشائي»، قبل أن يشكر الحضور ويغادر الحلقة وسط ذهول خيم على الاستديو، في مشهد نادر الحدوث على شاشات التلفزيون المباشر.
هذا الانسحاب لم يكن نهاية القصة، بل بدايتها لموجة تفاعل واسعة في الوسط الرياضي السعودي والعربي. كان أبرزها تعليق الناقد الرياضي المعروف عدنان جستنيه، الذي أبدى اتفاقه مع السهلي في رفضه لوصف حديثه، مؤكداً على حق المحلل في التعبير عن رأيه دون التقليل من شأنه. لكن جستنيه خالفه في قرار الانسحاب، حيث رأى أن المذيع منح السهلي المساحة الكافية للرد والتعبير عن موقفه، معتبراً أن البقاء داخل الحوار كان خياراً أكثر تأثيراً من المغادرة، في إشارة إلى أن إدارة الخلاف لا تقل أهمية عن جوهره، وأن الحوار البناء، حتى في أشد لحظاته سخونة، هو السبيل الأمثل لتوضيح وجهات النظر.
وأعادت الحادثة طرح أسئلة قديمة متجددة حول طبيعة البرامج الرياضية في المنطقة، وحدود النقاش الساخن، ودور المذيع بين إدارة الحوار والتأثير فيه. هل يجب أن يكون المذيع محايداً تماماً، أم يحق له التدخل لتصحيح مسار النقاش؟ وما هو الخط الفاصل بين النقد البناء والتقليل من شأن الضيف؟ هذه التساؤلات باتت أكثر إلحاحاً مع تزايد تأثير الإعلام الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام الرياضي.
إن تأثير هذه الواقعة يتجاوز حدود الاستوديو، ليعكس تحديات أوسع تواجه الإعلام الرياضي في المملكة، خاصة مع الطموحات الكبيرة للكرة السعودية على الساحة العالمية. ففي ظل سعي المملكة لتعزيز صورتها كمركز رياضي عالمي، يصبح من الضروري مراجعة معايير الخطاب الإعلامي لضمان المهنية والموضوعية، مع الحفاظ على مساحة للنقاش الحر. هذا النوع من الأحداث قد يؤثر على مصداقية البرامج الرياضية ويضعها تحت المجهر، مما يستدعي من القائمين عليها إعادة تقييم أساليب إدارة الحوارات الحساسة.
كما كشفت أن ديربي الرياض لم يعد يُحسم بصافرة النهاية، بل يمتد إلى المنصات الإعلامية، حيث تتقاطع الآراء، وتشتد الحساسية، وتتحول اللحظات العابرة إلى قضايا رأي عام تثير الجدل لأيام وربما أسابيع. وفي الوسط الرياضي اليوم، قد تُنسى تفاصيل الأهداف والبطاقات الحمراء، لكن ما جرى في استديو «نادينا» يثبت أن كرة القدم دخلت مرحلة أصبح فيها الجدل الإعلامي جزءاً لا يتجزأ من الحدث نفسه، وربما أكثر اشتعالاً وتأثيراً من مجريات المباراة ذاتها.


