قبل نحو ساعة ونصف فقط من انقضاء مهلة حاسمة كانت تنذر باشتعال المنطقة بأكملها، تراجع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حافة الهاوية، معلناً عن هدنة الأسبوعين وتعليق الهجوم الشامل على إيران. جاء هذا الإعلان المفاجئ كثمرة لوساطة باكستانية مكثفة استمرت حتى الرمق الأخير، ونجحت في نزع فتيل الانفجار الإقليمي، ولو بشكل مؤقت، مما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول مستقبل الصراع.
جذور التوتر ومسار التصعيد قبل إعلان التهدئة
لم يكن هذا التصعيد العسكري وليد اللحظة، بل هو تتويج لسنوات من التوتر المستمر بين واشنطن وطهران. منذ انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية القاسية، شهدت منطقة الشرق الأوسط سلسلة من الحوادث الأمنية التي استهدفت الملاحة البحرية والمنشآت الحيوية. وقد أدت هذه التراكمات إلى وصول الجانبين إلى نقطة حرجة، حيث باتت لغة السلاح هي الأقرب للتنفيذ. في هذا السياق المشحون، جاءت الوساطة الباكستانية لتشكل طوق نجاة دبلوماسي في اللحظات الأخيرة، مما منع انزلاق المنطقة إلى حرب مدمرة واسعة النطاق.
تفاصيل هدنة الأسبوعين وشروط فتح مضيق هرمز
كشف الرئيس ترامب عبر منصته “تروث سوشيال”، في تمام الساعة 6:32 مساءً بتوقيت الساحل الشرقي للولايات المتحدة (أي قبل ساعة و28 دقيقة من انتهاء المهلة القصوى)، عن قراره الحاسم. وأوضح أنه بناءً على محادثات مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف ورئيس أركان الجيش الباكستاني المارشال عاصم منير، وافق على تعليق القصف لمدة أسبوعين. واشترط ترامب موافقة الجمهورية الإسلامية على الفتح الكامل والفوري والآمن لمضيق هرمز. ووصف ترامب الخطوة بأنها “وقف إطلاق نار من الجانبين”، معتبراً أن واشنطن حققت جميع أهدافها العسكرية. كما أشار إلى تلقي إدارته مقترحاً من 10 نقاط من إيران يُعتبر أساساً عملياً للتفاوض، مؤكداً الاتفاق تقريباً على كافة النقاط الخلافية السابقة، وأن فترة التهدئة ستُخصص لوضع اللمسات الأخيرة على الاتفاق.
الرد الإيراني: ترحيب حذر واستعداد للتعاون
من جانبها، التقطت إيران الإشارة الدبلوماسية، حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التوصل إلى اتفاق مبدئي، مؤكداً أنه “إذا توقفت الهجمات، فإن قواتنا المسلحة ستوقف عملياتها الدفاعية”. ولفت عراقجي إلى أن عبور مضيق هرمز سيكون متاحاً لمدة أسبوعين بالتنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية، مع مراعاة القيود الفنية، مما يعكس رغبة طهران في تجنب مواجهة عسكرية مباشرة قد تكلف اقتصادها أثماناً باهظة.
الأبعاد الاستراتيجية: استراحة تكتيكية أم نهاية للصراع؟
يرى العديد من المراقبين والمحللين السياسيين أن ربط تعليق الهجوم بفتح مضيق هرمز يجعل من هذه الفترة فرصة تكتيكية للجيوش أكثر منها نهاية حقيقية للحرب. توفر هذه الأيام فرصة ذهبية لجمع وتحديث المعلومات الاستخباراتية، وإعادة التموضع، وتوريد ذخائر جديدة استعداداً لأي سيناريو محتمل. على الصعيد الإقليمي والدولي، يحمل هذا الحدث أهمية بالغة؛ فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، وأي إغلاق له يعني أزمة طاقة عالمية طاحنة. لذلك، فإن التهدئة تخدم استقرار الأسواق العالمية وتمنع صدمات اقتصادية كبرى. وفيما تستعد الأطراف للجلوس إلى طاولة المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد يوم الجمعة القادم، تعيش المنطقة حالة من الهدوء الحذر، بانتظار ما ستسفر عنه الأيام القادمة لتحديد مسار السلام أو العودة إلى مربع الحرب.


