spot_img

ذات صلة

هدنة الأسبوعين: هل تمهد لسلام دائم أم استراحة محارب؟

قبل 90 دقيقة فقط من تحول التهديدات المتبادلة بـ«إبادة الحضارة» إلى واقع مدمر، وقف العالم مذهولاً أمام مشهد لم يكن ليتخيله أكثر المتفائلين بما يُعرف بـ«دبلوماسية الحافة». في تلك اللحظة الحرجة، استبدل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لغة النار بوعود «السلام الطويل الأمد»، لتبدأ ملامح هدنة الأسبوعين في الظهور. ورغم إعلان البيت الأبيض سابقاً إلقاء «النقاط العشر» الإيرانية في سلة المهملات، إلا أن واشنطن وجدت نفسها مضطرة للجلوس على طاولة المفاوضات في العاصمة الباكستانية إسلام آباد بحثاً عن مخرج دبلوماسي يجنب المنطقة ويلات الحرب.

الجذور التاريخية للتوتر ومسار التصعيد

لفهم أبعاد هذا التحول المفاجئ، يجب النظر إلى السياق العام والخلفية التاريخية للحدث. فالعلاقات الأمريكية الإيرانية اتسمت لعقود بالعداء المستحكم منذ أزمة الرهائن عام 1979، مروراً بحرب الناقلات في الثمانينيات، وصولاً إلى الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي في عام 2018. هذا التراكم التاريخي من انعدام الثقة جعل من أي تقارب أمراً بالغ الصعوبة. إن إعادة التموضع الإستراتيجي الذي حدث في الساعات الأخيرة لم يكن تراجعاً بقدر ما كان إدراكاً متبادلاً لخطورة الموقف. فقد جاء لجوء طهران للطاولة بعد إدراكها لعدم قدرتها على الاستمرار في المقامرة الاقتصادية والعسكرية، بينما وجد ترمب، الذي رفع شعار «القوة أولاً»، في الوساطة الباكستانية مخرجاً يجنبه كلفة حرب إقليمية شاملة قد تأكل أخضر الاقتصاد العالمي ويابسه.

عقدة مضيق هرمز ومستقبل هدنة الأسبوعين

في المقابل، أثبتت طهران «براغماتيتها» المعهودة؛ فهي لم تفتح مضيق هرمز كاستقرار مجاني، بل استخدمته كورقة مساومة متحركة. فتحته مبدئياً ثم عادت لتقييد الحركة فيه، في رسالة واضحة بأن التحكم بهذا الشريان الملاحي الحيوي، الذي يمر عبره نحو خُمس استهلاك العالم من النفط، يبقى مرتبطاً بمسار التفاوض. إن البنود التي قدمتها طهران، والتي تبدو في ظاهرها مطالب تقنية، هي في جوهرها محاولة لقلب الطاولة وإعادة صياغة قواعد الاشتباك. عقدة هرمز تحولت في المقترح الإيراني إلى أداة لتكريس شرعية السيطرة، مما يضع هدنة الأسبوعين أمام اختبار حقيقي للنوايا. أما الطلب المتعلق بجدولة انسحاب القوات الأمريكية، فهو «الطلقة السياسية» التي تضع واشنطن في مأزق وجودي أمام حلفائها، خاصة في ظل إصرار إسرائيل على أن التهدئة مع طهران لا تعني بالضرورة صمت المدافع في جبهات الأطراف.

التداعيات الإقليمية والدولية للاتفاق المرتقب

تكتسب هذه التطورات أهمية بالغة نظراً لتأثيرها المتوقع على مختلف الأصعدة. محلياً وإقليمياً، تترقب دول الشرق الأوسط نتائج هذه المفاوضات بحذر شديد، حيث أن أي اتفاق أو انهيار للمحادثات سينعكس مباشرة على أمن الخليج العربي واستقرار أسواق الطاقة العالمية. دولياً، يراقب حلفاء واشنطن وخصومها، مثل الصين وروسيا، مدى قدرة الولايات المتحدة على إدارة هذه الأزمة دون الانزلاق إلى صراع مسلح. المفاوضات التي تواجه مقصلة الوقت تصطدم بمعضلة «تفسير النوايا». فالمدرسة الواقعية في واشنطن تعتبر أن طهران كسبت وقتاً ثميناً لإعادة تذخير ترسانتها وحماية منشآتها الحيوية، بينما يراهن البيت الأبيض على أن سياسة «الصدمة والترهيب» السابقة قد كسرت عناد المفاوض الإيراني وجعلته أكثر مرونة.

فراغ سياسي أم بداية لعهد جديد؟

بالنظر إلى الجانب الأمريكي، يدرك ترمب أن «فن الصفقات» لا يكتمل إلا بوجود خصم منهك. إن هذه الهدنة المؤقتة ليست شيكاً على بياض، وليست نهاية للصراع الممتد لعقود، بل هي «فراغ سياسي مؤقت» يختبر قدرة القطبين على التعايش فوق صفيح ساخن دون الانزلاق إلى المواجهة الكبرى. واشنطن تلعب ورقة «الفرصة الأخيرة» لاستعادة الاستقرار بشروطها، وطهران تلعب ورقة «المرونة الإستراتيجية» لحماية مكتسباتها. وبين هذا وذاك، يقف العالم حابساً أنفاسه بانتظار ما ستسفر عنه جولات إسلام آباد الماراثونية. التاريخ يسجل بدم بارد، والأيام القادمة ستحدد ما إذا كنا قد دخلنا عصر «التبريد الإستراتيجي» الذي طال انتظاره، أم أننا نعيش مجرد هدنة تقنية قلقة تسبق زلزالاً مدمراً سيعيد رسم خارطة الشرق الأوسط السياسية والجغرافية للأبد.

spot_imgspot_img