spot_img

ذات صلة

احتجاجات بيلمارش: 86 اعتقالاً تضامناً مع ناشط فلسطين أكشن

شهدت العاصمة البريطانية لندن تصعيداً ملحوظاً في وتيرة الاحتجاجات الداعمة للقضية الفلسطينية، حيث ألقت شرطة العاصمة القبض على 86 شخصًا للاشتباه في محاولتهم اقتحام سجن بيلمارش الشهير. جاءت هذه الاعتقالات خلال مظاهرات حاشدة تضامناً مع الناشط هادي حمادي، أحد أبرز أعضاء حركة «فلسطين أكشن»، الذي يخوض إضراباً عن الطعام منذ أكثر من 100 يوم، مما يثير قلقاً متزايداً بشأن حالته الصحية وظروف احتجازه.

تُعد بريطانيا تاريخياً مركزاً مهماً للنشاط السياسي والاحتجاجي، وقد شهدت القضية الفلسطينية على مر العقود تعاطفاً ودعماً واسعاً من شرائح مختلفة من المجتمع البريطاني. ومع تصاعد الأحداث في الشرق الأوسط مؤخراً، تزايدت أعداد المتظاهرين بشكل غير مسبوق في شوارع لندن ومدن بريطانية أخرى، مما يعكس قلقاً شعبياً متنامياً ورغبة في التأثير على السياسات الحكومية التي غالباً ما تُتهم بالتحيز. الحق في الاحتجاج السلمي هو حجر الزاوية في الديمقراطية البريطانية، لكنه غالباً ما يتوازن مع مخاوف النظام العام، مما يؤدي إلى توترات متكررة بين النشطاء والسلطات، خاصة عندما تتضمن الاحتجاجات أعمالاً مباشرة أو محاولات لتعطيل المرافق العامة أو الشركات الخاصة.

وقالت الشرطة في بيان رسمي إن الحادثة وقعت يوم السبت، بعد تجمع مئات المتظاهرين أمام بوابات السجن، حيث حاول عدد منهم اقتحام المنشأة، مطالبين بالإفراج الفوري عن حمادي أو تحسين ظروف احتجازه. وأوضحت الشرطة أن الاعتقالات جاءت بتهم «الاقتحام العنيف»، والتجمهر غير القانوني، والتسبب في أعمال شغب، مؤكدة أن قوات الأمن تدخلت لمنع اختراق محيط السجن والحفاظ على سلامة العاملين والمنشأة.

يُعرف سجن بيلمارش، وهو سجن شديد الحراسة من الفئة (أ) يقع جنوب شرق لندن، بأنه يضم بعضاً من أخطر المجرمين في المملكة المتحدة والأفراد المتهمين بجرائم خطيرة تتعلق بالأمن القومي، بما في ذلك الإرهاب. إن الاحتجاج أمام مثل هذا المرفق يحمل دلالة رمزية كبيرة، ويسلط الضوء على خطورة التهم الموجهة إلى حمادي وتصميم مؤيديه. اختيار بيلمارش كموقع للاحتجاج يؤكد رؤية النشطاء لاحتجاز حمادي على أنه ذو دوافع سياسية ومسألة ذات أهمية قصوى.

يُحتجز هادي حمادي في سجن بيلمارش منذ أشهر، على خلفية تهم تتعلق بأعمال تخريب استهدفت شركات يُعتقد أنها تدعم إسرائيل. وقد دخل في إضراب مفتوح عن الطعام منذ أكثر من 100 يوم، احتجاجًا على ما يصفه بـ«الظروف القاسية» و«المحاكمة السياسية». تُعد حركة «فلسطين أكشن»، التي تأسست عام 2020، جماعة احتجاجية بريطانية تُعرّف نفسها كحركة مقاومة غير عنيفة ضد شركات تدعم إسرائيل عسكريًا. تعتمد الحركة تكتيكات العمل المباشر، وتستهدف غالباً الشركات التي تتهمها بالتواطؤ في الاحتلال الإسرائيلي من خلال تصنيع الأسلحة أو توريدها. هذه الأساليب، التي تشمل إتلاف الممتلكات واحتلال المنشآت، مثيرة للجدل، وقد أدت إلى اعتقال العشرات من أعضائها ومواجهتهم لمعارك قانونية.

إن إضراب حمادي عن الطعام، الذي تجاوز المائة يوم، هو إجراء يائس لجذب الانتباه إلى محنته والاحتجاج على ظروف احتجازه وما يسميه أنصاره “محاكمة سياسية”. للإضرابات عن الطعام تاريخ طويل كشكل قوي، وإن كان خطيراً، من المقاومة اللاعنفية، مما يجبر السلطات على مواجهة التداعيات الأخلاقية والإنسانية للاحتجاز المطول.

ووصف متحدث باسم وزارة العدل البريطانية الحادثة بأنها «مقلقة للغاية»، قائلاً: «إن تصاعد الاحتجاجات في سجن وورموود سكرابز أمر غير مقبول بتاتًا، وبينما ندعم الحق في الاحتجاج السلمي، فإن التقارير الواردة عن التعدي على ممتلكات الغير والتهديدات الموجهة للموظفين وضباط الشرطة تثير قلقًا بالغًا». هذا التصريح يعكس التوازن الدقيق الذي تحاول الحكومة البريطانية الحفاظ عليه بين احترام حرية التعبير وضمان الأمن العام وسلامة المنشآت الحيوية.

أثارت حالة حمادي الصحية الحرجة قلقًا واسعًا بين النشطاء والمنظمات الحقوقية، التي طالبت بالإفراج عنه بكفالة أو نقله فورًا إلى أحد المستشفيات، محذّرة من تدهور وشيك قد يهدد حياته. هذه الدعوات تسلط الضوء على البعد الإنساني للقضية وتضع السلطات البريطانية أمام تحديات أخلاقية وقانونية تتعلق بمسؤوليتها عن صحة وسلامة المحتجزين.

من جانبها، أكدت حركة «فلسطين أكشن» أن ما جرى كان «عملية تضامن سلمية» تهدف إلى لفت الانتباه إلى قضية حمادي، واتهمت السلطات البريطانية بـ«القمع السياسي» للنشطاء الداعمين للقضية الفلسطينية. وأضافت الحركة أن الاعتقالات الجماعية لن تثنيها عن مواصلة حملاتها، مشددة على أن قضية حمادي تمثل نموذجًا لما تصفه باستهداف الأصوات المناصرة لفلسطين داخل بريطانيا.

لا تُعد حادثة بيلمارش معزولة، بل هي جزء من موجة أوسع ومتصاعدة من النشاط الاحتجاجي في جميع أنحاء المملكة المتحدة. تعكس هذه الأحداث انقسامات عميقة داخل المجتمع البريطاني فيما يتعلق بالسياسة الخارجية وحقوق الإنسان وحدود الاحتجاج. تواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة لمعالجة هذه المخاوف مع الحفاظ على النظام العام وتطبيق سيادة القانون. على الصعيد الدولي، تجذب مثل هذه الأحداث في دولة من مجموعة السبع الانتباه إلى الطبيعة العالمية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني والطرق التي يتردد صداها بها داخل الديمقراطيات الغربية. كما أنها تسلط الضوء على التحديات التي تواجهها الحكومات في إدارة المعارضة الداخلية المتعلقة بالصراعات الدولية. قد تُشكل نتائج قضية حمادي والإجراءات المستمرة لحركة «فلسطين أكشن» سوابق للنشاط المستقبلي والاستجابات القانونية في المملكة المتحدة.

spot_imgspot_img