تقدمت المملكة المتحدة بطلب رسمي إلى السلطات القبرصية لتسليم مواطن يحمل الجنسيتين البريطانية والأذربيجانية، وذلك بعد توجيه اتهامات رسمية له تتعلق بـ التجسس لصالح إيران ومراقبة منشآت عسكرية حساسة. وتأتي هذه الخطوة في إطار قضية أمنية بارزة تعد الأولى من نوعها التي تحقق فيها لندن خارج حدودها استناداً إلى قانون الأمن القومي الجديد، مما يعكس تصاعداً لافتاً في وتيرة المواجهة الاستخباراتية بين بريطانيا وطهران.
تفاصيل قضية التجسس لصالح إيران واستهداف قاعدة أكروتيري
أوضحت شرطة العاصمة البريطانية (سكوتلاند يارد) في بيان رسمي أن المشتبه به يدعى رشاد سلطانوف (44 عاماً)، وهو من سكان منطقة إزلينغتون شمال لندن. ولا يزال سلطانوف محتجزاً لدى الأمن القبرصي بانتظار استكمال إجراءات ترحيله إلى المملكة المتحدة، وذلك بعد إعادة توقيفه رسمياً في 17 يوليو الماضي إثر تلقي نيقوسيا طلباً رسمياً من لندن.
وتشير التحقيقات التي يقودها جهاز مكافحة الإرهاب البريطاني إلى أن المتهم قام بعمليات مراقبة معادية واستطلاع لقاعدة “أكروتيري” التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في قبرص، وجمع معلومات استخباراتية بالغة الحساسية والخطورة لنقلها إلى الحرس الثوري الإيراني. وتغطي فترة الاتهام الأنشطة التي جرت بين 11 مايو و22 يونيو من العام الماضي.
وكانت الشرطة القبرصية قد ألقت القبض على المشتبه به لأول مرة في عام 2025 وظل رهن الاحتجاز منذ ذلك الحين. وفي تلك الفترة، كشف وزير إسرائيلي أن الأجهزة الأمنية القبرصية نجحت في إحباط هجوم كان يستهدف مواطنين إسرائيليين على أراضيها، مما يربط القضية بملفات أمنية إقليمية أوسع.
الأهمية الاستراتيجية لقاعدة أكروتيري والسياق التاريخي للصراع
تعتبر قاعدة “أكروتيري” الجوية البريطانية في قبرص واحدة من أهم القواعد العسكرية للمملكة المتحدة في منطقة شرق المتوسط. تأسست هذه القاعدة بموجب اتفاقيات استقلال قبرص عام 1960، وتتمتع بموقع جيوسياسي بالغ الأهمية يربط بين أوروبا والشرق الأوسط. على مر العقود، استخدمت لندن وواشنطن هذه القاعدة كنقطة انطلاق رئيسية للعمليات الجوية والعسكرية والدعم اللوجستي في المنطقة، مما يجعلها هدفاً دائماً لعمليات المراقبة والاستطلاع من قبل القوى الإقليمية.
وتأتي هذه التطورات في ظل توترات تاريخية مستمرة ومستويات غير مسبوقة من التصعيد بين بريطانيا وإيران. وقد تجلى هذا التوتر في تهديدات سابقة أطلقها الحرس الثوري الإيراني باستهداف القواعد العسكرية البريطانية التي تستخدمها القوات الأمريكية لشن هجمات ضد مصالح إيرانية. كما شهدت القاعدة في مارس الماضي أضراراً طفيفة جراء سقوط طائرة مسيرة إيرانية الصنع من طراز “شاهد”، تلاها تقارير عن إطلاق صواريخ باليستية باتجاه قاعدة “دييغو غارسيا” المشتركة في المحيط الهندي.
التداعيات الإقليمية والأبعاد القانونية لقانون الأمن القومي الجديد
تحمل هذه القضية أبعاداً قانونية وسياسية بالغة الأهمية على المستويين المحلي والدولي. فمن الناحية القانونية، يمثل التحقيق أول تطبيق عملي خارج الحدود لقانون الأمن القومي البريطاني الجديد، وهو ما أكدته هيلين فلاناغان، رئيسة شرطة مكافحة الإرهاب في لندن، مشيرة إلى قدرة السلطات البريطانية على ملاحقة الأنشطة العدائية التي ترعاها دول أجنبية حتى خارج أراضيها لحماية أمنها القومي.
أما على الصعيد الإقليمي، فإن إحباط هذه العملية يعزز التعاون الأمني الوثيق بين قبرص وبريطانيا وحلفائهما في المنطقة. ومن المتوقع أن تؤدي هذه القضية إلى تشديد الإجراءات الأمنية حول القواعد الغربية في البحر الأبيض المتوسط، وزيادة الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية على طهران في المحافل الدولية، مع فتح الباب أمام مزيد من التنسيق القضائي الدولي لملاحقة شبكات التجسس العابرة للحدود.


