تستعد الساحة السياسية البريطانية لاختبار حاسم مع اقتراب موعد الانتخابات المحلية المقررة في مايو القادم، والتي تمثل محكاً رئيسياً لحزب العمال المعارض وزعيمه كير ستارمر. ففي الوقت الذي يتصدر فيه الحزب استطلاعات الرأي الوطنية، يواجه تحدياً غير متوقع يتمثل في نقص حاد في التمويل، وهو ما كشفت عنه تقارير إعلامية مثل وكالة “بلومبيرغ”. هذه الأزمة المالية تثير تساؤلات جدية حول قدرة الحزب على ترجمة شعبيته المتزايدة إلى انتصارات انتخابية ملموسة، خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات العامة المتوقعة في غضون عام.
خلفية تاريخية وسياق سياسي:
لطالما كانت الانتخابات المحلية في المملكة المتحدة بمثابة مؤشر مبكر للتوجهات السياسية العامة ومقياس لشعبية الأحزاب قبل الانتخابات العامة. تاريخياً، يعتمد حزب العمال على قاعدة دعم قوية من النقابات العمالية والأعضاء، بالإضافة إلى التبرعات من قطاع الأعمال والأفراد. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة تحولات في مشهد التمويل السياسي، حيث أصبحت الحملات الانتخابية أكثر تكلفة وتطلباً، لا سيما مع تزايد الاعتماد على الحملات الرقمية وتحليلات البيانات.
يأتي هذا النقص في التمويل في وقت حرج لحزب العمال، الذي يسعى جاهداً للعودة إلى السلطة بعد أكثر من عقد من المعارضة. فبعد فترة من الاضطرابات السياسية التي شهدتها حكومة المحافظين، بما في ذلك فضائح “بارتيغيت” وتغيرات القيادة المتتالية، تمكن حزب العمال بقيادة ستارمر من استعادة ثقة جزء كبير من الناخبين، متقدماً بفارق كبير في استطلاعات الرأي على حزب المحافظين الحاكم. ومع ذلك، فإن هذه الأفضلية في استطلاعات الرأي لا تضمن الفوز ما لم تكن مدعومة بحملة انتخابية قوية وممولة جيداً.
حادثة آندي بورنهام وتداعياتها:
تجلت أزمة التمويل بوضوح في حادثة منع عمدة مانشستر الكبرى، آندي بورنهام، من الترشح لمقعد في البرلمان. وقد برر ستارمر هذا القرار بأن حزب العمال لا يملك المال الكافي لخوض انتخابات تعويضية لشغل مقعد بورنهام في حال ترشحه وفوزه. هذا التفسير أثار قلقاً داخل الحزب وخارجه، حيث رأى البعض أن الدافع الحقيقي قد يكون الحيلولة دون صعود منافس شعبي محتمل لستارمر. بورنهام، الذي يتمتع بشعبية واسعة، أعرب عن شعوره بأن الحزب قد أضر بفرصه في الفوز بعرقلة ترشيحه، مما يسلط الضوء على التوترات الداخلية المحتملة التي قد تفاقم من تحديات الحزب.
تأثير نقص التمويل على الحملات الانتخابية:
تُعد مشكلات التمويل أمراً شائعاً للأحزاب السياسية البريطانية في هذه المرحلة من الدورة الانتخابية، حيث تتركز التبرعات والإنفاق عادة حول الانتخابات العامة. لكن اللافت هو أن حزباً معارضاً يتصدر استطلاعات الرأي يشهد هذا التراجع الحاد في الدعم المالي. فقد تراجعت مساهمات المتبرعين من قطاع الأعمال والأعضاء والنقابات، مما ترك الحزب من دون الموارد اللازمة لضمان نتائج قوية في الانتخابات المحلية. هذا النقص يؤثر بشكل مباشر على قدرة الحزب على تمويل الحملات الإعلانية، وتنظيم الفعاليات، ودعم المرشحين المحليين، وتوظيف الكوادر اللازمة، خاصة في مجال الإنفاق الرقمي الذي أصبح حاسماً في الانتخابات الحديثة. وكما أشار مايكل هاريس، مؤسس وكالة الاتصالات الإستراتيجية (89up)، فإن “أول ما يتم الاستغناء عنه هو الإنفاق الرقمي، وإذا لم يكن لدى حزب العمال ذلك، فهم يخوضون هذه الانتخابات من دون غطاء”.
الانتخابات المحلية كمؤشر للمستقبل:
تُعد الانتخابات الفرعية في دوائر مثل جورتون ودنتون، حيث مُنع بورنهام من الترشح، مؤشراً مبكراً على التحديات التي يواجهها حزب العمال. ففي هذه الدائرة التي فاز بها الحزب بسهولة في الانتخابات السابقة، يتنافس الآن حزب الخضر وحزب الإصلاح بقوة، مما يهدد هيمنة العمال. الخطر الأكبر بالنسبة لستارمر هو أن يحقق حزب العمال نتائج سيئة في التصويت المحلي، على غرار ما حدث قبل عام عندما خسر نحو ثلثي المقاعد التي كان يدافع عنها. مثل هذه النتائج السلبية يمكن أن تستنزف معنويات الحزب، وتضعف موقفه التفاوضي، وتثير الشكوك حول قدرته على الفوز في الانتخابات العامة المقبلة.
التأثير المتوقع:
على الصعيد المحلي: يمكن أن تؤدي النتائج الضعيفة في الانتخابات المحلية إلى تراجع في جودة الخدمات المقدمة للمواطنين في المناطق التي يفقد فيها حزب العمال السيطرة، كما قد تؤثر على مشاريع التنمية المحلية. كما أنها قد تضعف القاعدة الشعبية للحزب وتعيق جهوده في التعبئة المستقبلية.
على الصعيد الوطني: ستُفسر نتائج الانتخابات المحلية على نطاق واسع كاستفتاء على قيادة كير ستارمر وقدرة حزب العمال على الفوز بالانتخابات العامة. إذا فشل الحزب في تحقيق مكاسب كبيرة أو حتى خسر مقاعد، فقد يؤدي ذلك إلى تزايد الدعوات داخل الحزب للبحث عن قيادة بديلة، خاصة مع وعود زعيم حزب الإصلاح البريطاني نايجل فاراج بالإنفاق بسخاء على الانتخابات. هذا السيناريو قد يهدد استقرار الحزب ويشتت تركيزه عن التحضير للانتخابات العامة الحاسمة.
على الصعيد الإقليمي والدولي: قد تؤثر حالة عدم اليقين السياسي في المملكة المتحدة على مكانتها الإقليمية والدولية. فإذا استمرت الأحزاب الرئيسية في مواجهة تحديات داخلية، فقد يؤثر ذلك على قدرة البلاد على اتخاذ قرارات حاسمة في القضايا الدولية، مثل العلاقات مع الاتحاد الأوروبي أو دورها في النزاعات العالمية. كما أن ضعف الحزب المعارض الرئيسي قد يؤدي إلى استمرار سياسات الحكومة الحالية التي قد لا تحظى بإجماع واسع.
في الختام، يواجه حزب العمال البريطاني بقيادة كير ستارمر مفترق طرق حاسماً. فبينما يتمتعون بتقدم مريح في استطلاعات الرأي الوطنية، فإن أزمة التمويل الحالية والنتائج المحتملة للانتخابات المحلية في مايو قد تحدد مصير الحزب ومستقبل قيادته. إن القدرة على تحويل الدعم الشعبي إلى موارد مالية كافية لخوض حملة انتخابية فعالة ستكون العامل الحاسم في تحديد ما إذا كان حزب العمال سيتمكن من العودة إلى داوننينج ستريت.


