في خطوة تاريخية تهدف إلى تحديث منظومة إنفاذ القانون لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، أعلنت الحكومة البريطانية عن اعتزامها تشكيل جهاز شرطة وطني جديد، وصفته وزيرة الداخلية بـ “مكتب تحقيقات فيدرالي بريطاني”. يأتي هذا الإعلان في سياق جهود مكثفة لمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والاحتيال المتزايد، مع التركيز على الاستفادة من الكفاءات العالمية والتقنيات المتطورة.
تاريخياً، تعود جذور الشرطة البريطانية الحديثة إلى إصلاحات السير روبرت بيل عام 1829، والتي أرست مبادئ الشرطة المجتمعية. ومنذ ذلك الحين، تطورت المنظومة لتشمل 43 قوة شرطة محلية في إنجلترا وويلز، بعضها يضطلع بأدوار وطنية مثل شرطة العاصمة لندن في مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، أدت الطبيعة المجزأة لهذه القوات إلى تحديات في التنسيق والتعامل مع الجرائم العابرة للحدود والتهديدات المعقدة التي تتطلب استجابة وطنية موحدة. وقد سبق أن شهدت بريطانيا محاولات لإنشاء كيانات وطنية لمكافحة الجريمة، مثل الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة الخطيرة والمنظمة (SOCA) في عام 2006، والتي وصفت آنذاك بـ “مكتب التحقيقات الفيدرالي البريطاني”، قبل أن يتم استبدالها بالوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة (NCA) التي حملت اللقب نفسه لاحقاً. هذه المحاولات كانت تهدف إلى سد الفجوات، لكن الحكومة الحالية ترى ضرورة لإصلاح أعمق وأكثر شمولية.
القوة الجديدة المقترحة ستجمع بين مهام الوكالة الوطنية لمكافحة الجريمة، التي تركز على التحقيق في الجرائم المنظمة الخطيرة مثل تهريب المخدرات والاتجار بالبشر، مع أدوار وطنية أخرى حيوية مثل مكافحة الإرهاب ومراقبة الطرق. وصرحت وزيرة الداخلية، شابانا محمود، بأن “نموذج الشرطة الحالي تأسس لقرن مختلف”، مؤكدة أن الجهاز الجديد سيعتمد على “كفاءات من الطراز العالمي وتقنيات متطورة لتعقب واعتقال المجرمين الخطرين”، مشبهة إياه بمكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي في قدرته على التعامل مع التهديدات الكبرى.
من المتوقع أن يكون لهذا التغيير تأثيرات كبيرة على مستويات متعددة. على الصعيد المحلي، سيسمح هذا الإصلاح للقوات المحلية بالتركيز بشكل أكبر على الجرائم اليومية التي تؤثر مباشرة على حياة المواطنين، مثل السرقة من المتاجر والسلوك المعادي للمجتمع. هذا التخفيف للعبء عن الشرطة المحلية، التي غالباً ما تكون مثقلة بمهام مكافحة الجرائم الكبرى دون تدريب كافٍ، سيمكنها من استعادة الثقة المجتمعية ومعالجة “وباء الجرائم اليومية” التي تمر غالباً دون عقاب. على الصعيد الوطني، ستعزز هذه القوة الجديدة قدرة بريطانيا على التصدي للتهديدات الأمنية الكبرى، بما في ذلك الهجمات الإرهابية المعقدة، وجرائم الإنترنت، وشبكات الجريمة المنظمة التي تتجاوز الحدود الإقليمية. كما ستوفر منصة موحدة لتبادل المعلومات الاستخباراتية وتحليل البيانات، مما يعزز الكفاءة التشغيلية.
أما على الصعيد الدولي، فإن إنشاء جهاز شرطة وطني موحد وقوي سيعزز مكانة بريطانيا كشريك أمني موثوق به على الساحة العالمية. سيسهل ذلك التعاون مع وكالات إنفاذ القانون الدولية مثل اليوروبول والإنتربول ومكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، مما يمكن بريطانيا من ملاحقة المجرمين الدوليين والإرهابيين الذين لا يحترمون الحدود. وأكدت وزيرة الداخلية أن الهدف ليس توفير المال، بل “تصميم نموذج جديد للشرطة في إنجلترا وويلز”، مشيرة إلى أن النظام الحالي “معطل”. ومن المقرر أن تكشف الحكومة عن تفاصيل هذه الإصلاحات الكبرى، التي وصفت بأنها الأكبر في الشرطة منذ عام 1829، غداً (الاثنين)، مع سعي وزيرة الداخلية لتوظيف مواهب جديدة من خارج القوة لتولي مناصب قيادية في هذا الجهاز الواعد.


