spot_img

ذات صلة

بريطانيا: البطالة ترتفع والجنيه الإسترليني يتراجع

ارتفاع البطالة في بريطانيا إلى أعلى مستوى منذ سنوات يهوي بالجنيه الإسترليني

شهد الجنيه الإسترليني تراجعاً ملحوظاً صباح اليوم، بينما انخفضت عوائد السندات الحكومية البريطانية، وذلك في أعقاب صدور بيانات اقتصادية مقلقة كشفت عن ارتفاع معدل البطالة في المملكة المتحدة إلى أعلى مستوى له خلال خمس سنوات، مصحوباً بتباطؤ في نمو الأجور. هذه التطورات تعكس تحديات اقتصادية متزايدة تواجهها بريطانيا، وتضع البنك المركزي الإنجليزي أمام معضلة معقدة تتعلق بالسياسة النقدية.

تدهور سوق العمل وتأثيره على الجنيه الإسترليني

أظهرت أحدث البيانات أن معدل البطالة في المملكة المتحدة قد ارتفع إلى 5.2% في ديسمبر الماضي، مقارنة بـ 5.1% في نوفمبر الذي سبقه، مسجلاً بذلك أعلى مستوى له منذ يناير 2021. هذا الارتفاع يشير إلى ضعف في سوق العمل البريطاني، وهو ما أثر سلباً على ثقة المستثمرين في الاقتصاد البريطاني. كما انخفض عدد العاملين المسجلين في جداول الرواتب بنحو 134 ألف موظف على أساس سنوي، و11 ألف موظف مقارنة بالشهر السابق، ليصل الإجمالي إلى 30.3 مليون موظف في يناير من العام الجاري، وفقاً لتقرير شبكة “CNBC” الأمريكية.

تزامن هذا الارتفاع في البطالة مع تباطؤ في نمو الأجور، مما يقلل من القوة الشرائية للمستهلكين ويزيد من الضغوط المعيشية على الأسر البريطانية. هذه العوامل مجتمعة دفعت الجنيه الإسترليني للتراجع أمام الدولار بنسبة 0.2%، ليصل إلى 1.359 دولار، وهو ما يعكس قلق الأسواق بشأن آفاق النمو الاقتصادي في البلاد.

السياق الاقتصادي الأوسع والضغوط على بنك إنجلترا

تأتي هذه البيانات في وقت حرج للاقتصاد البريطاني، الذي يواجه تحديات متعددة منذ خروجه من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، بالإضافة إلى تداعيات جائحة كوفيد-19 والحرب في أوكرانيا التي أثرت على سلاسل الإمداد وأسعار الطاقة عالمياً. لطالما كان التضخم المرتفع أحد أبرز الهموم، مما دفع بنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة بشكل متكرر في محاولة لكبح جماح الأسعار. ومع ذلك، فإن ارتفاع معدلات البطالة يضع البنك المركزي في موقف صعب، حيث يتعين عليه الموازنة بين مكافحة التضخم ودعم النمو الاقتصادي والحفاظ على استقرار سوق العمل.

تاريخياً، شهدت بريطانيا فترات من التذبذب في معدلات البطالة، حيث وصلت إلى مستويات قياسية خلال الأزمات الاقتصادية الكبرى، مثل الأزمة المالية العالمية عام 2008 وجائحة كوفيد-19. ورغم التعافي النسبي الذي شهدته سوق العمل في السنوات الأخيرة، إلا أن البيانات الأخيرة تشير إلى انتكاسة قد تكون لها تداعيات أعمق إذا استمرت.

توقعات الأسواق وتأثيرها على السياسة النقدية

على صعيد الأسواق المالية، تراجعت عوائد السندات الحكومية البريطانية (gilts) بشكل ملحوظ بعد صدور بيانات الوظائف. انخفضت عوائد سندات العشر سنوات بمقدار 3 نقاط أساس لتصل إلى 4.368%، بينما هبطت عوائد سندات السنتين بمقدار نقطتين أساس لتسجل 3.563%. يعكس هذا التراجع توقعات المستثمرين بأن بنك إنجلترا قد يضطر إلى اتخاذ إجراءات تحفيزية، مثل خفض أسعار الفائدة، لدعم الاقتصاد.

تتوقع الأسواق أن بنك إنجلترا قد يواصل تخفيض أسعار الفائدة هذا العام، مع احتمال بنسبة 75% لخفض جديد في الشهر القادم، خاصة بعد هذه الأرقام المخيبة للآمال في سوق العمل. مثل هذه الخطوة، وإن كانت تهدف إلى تحفيز النمو، قد تزيد من الضغط على الجنيه الإسترليني وتؤثر على جاذبية الاستثمار في الأصول البريطانية.

التأثيرات المحتملة على الاقتصاد المحلي والإقليمي والدولي

محلياً، قد يؤدي ارتفاع البطالة إلى تباطؤ الإنفاق الاستهلاكي، مما يضر بالشركات ويعيق التعافي الاقتصادي. كما قد تزداد الضغوط على الحكومة لتقديم المزيد من الدعم الاجتماعي، مما يؤثر على الميزانية العامة. إقليمياً، قد تؤثر هذه التطورات على الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة، خاصة في أوروبا، حيث يمكن أن يؤدي ضعف الطلب البريطاني إلى تراجع الصادرات الأوروبية إلى المملكة المتحدة.

دولياً، يراقب المستثمرون والمؤسسات المالية العالمية عن كثب الأداء الاقتصادي لبريطانيا، كونها إحدى الاقتصادات الكبرى. أي ضعف مستمر قد يؤثر على الثقة في الأسواق العالمية ويزيد من حالة عدم اليقين، خاصة في ظل التوترات الجيوسياسية والاقتصادية الراهنة. إن قدرة بريطانيا على استعادة زخم النمو ومعالجة تحديات سوق العمل ستكون حاسمة لاستقرارها الاقتصادي ومكانتها العالمية.

spot_imgspot_img