اختتمت في جنيف الجولة الأولى من المفاوضات الثلاثية المكثفة التي جمعت وفوداً من روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية، في محاولة دبلوماسية لمعالجة التوترات المتصاعدة بشأن الأزمة الأوكرانية. استمرت المباحثات، التي وصفتها مصادر روسية بأنها “شديدة التوتر”، لمدة ست ساعات يوم الثلاثاء، وشكلت خطوة أولى في مسار معقد يهدف إلى نزع فتيل الأزمة التي تهدد الأمن الإقليمي والدولي.
وفقاً لوكالة “تاس” الروسية، أكدت موسكو انتهاء الجولة الافتتاحية من هذه المحادثات المحورية. وأفاد مصدر مطلع بأن الوفود ستقدم تقارير مفصلة إلى عواصمها، مشيراً إلى أن المشاورات الداخلية ستستمر قبل استئناف المباحثات في اليوم الثاني المقرر يوم الأربعاء. بدأت الجلسة خلف الأبواب المغلقة في فندق “إنتركونتننتال” بجنيف في تمام الساعة 1:56 مساءً بالتوقيت المحلي، حيث ترأس الوفد الروسي فلاديمير ميدينسكي، مساعد الرئيس الروسي، بينما قاد الوفد الأوكراني مستشار الأمن القومي رستم أوميروف.
قبل انطلاق المفاوضات، أوضح أوميروف أن هذه الجولة ستركز على القضايا الأمنية والإنسانية، مع التركيز على الجوانب العملية وآليات الحلول الممكنة. وأشار إلى أن “أعمال المسارين السياسي والعسكري قد اكتملت”، مما يوحي بوجود تحضيرات مسبقة أو مسارات موازية للحوار. هذه التصريحات تعكس حجم التعقيدات المطروحة على طاولة المفاوضات، والتي تتجاوز مجرد وقف إطلاق النار لتشمل قضايا جيوسياسية أعمق.
تأتي هذه المفاوضات في سياق تاريخي معقد، حيث تعود جذور الأزمة الأوكرانية إلى عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم بعد استفتاء، واندلع صراع مسلح في منطقة دونباس الشرقية بين القوات الحكومية الأوكرانية والانفصاليين المدعومين من روسيا. فشلت اتفاقيات مينسك، التي وقعت في عامي 2014 و 2015، في تحقيق سلام دائم، مما أبقى المنطقة في حالة من عدم الاستقرار. لطالما عبرت روسيا عن مخاوفها الأمنية بشأن توسع حلف شمال الأطلسي (الناتو) شرقاً واقترابه من حدودها، معتبرة ذلك تهديداً مباشراً لأمنها القومي. في المقابل، ترى أوكرانيا والدول الغربية أن سيادة أوكرانيا ووحدة أراضيها غير قابلة للتفاوض، وأن لها الحق في اختيار تحالفاتها.
تكتسب هذه المفاوضات أهمية بالغة على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي. فمحلياً، تعاني أوكرانيا من تداعيات الصراع المستمر، بما في ذلك الخسائر البشرية والنزوح وتدمير البنية التحتية. إقليمياً، يهدد أي تصعيد جديد بزعزعة استقرار أوروبا الشرقية بأكملها، وقد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة وتوترات عسكرية أوسع. دولياً، تراقب القوى الكبرى هذه المحادثات عن كثب، حيث يمكن أن تؤثر نتائجها على مستقبل النظام الأمني الأوروبي، وعلاقات روسيا بالغرب، وحتى على أسواق الطاقة العالمية. إن فشل الدبلوماسية قد يدفع بالمنطقة نحو مواجهة أوسع نطاقاً، بينما يمكن أن يفتح أي تقدم ولو بسيط الباب أمام حل سلمي طويل الأمد.
على هامش هذه المحادثات الثلاثية، ذكرت مصادر دبلوماسية إيطالية أن ممثلين عن دول أوروبية رئيسية مثل إيطاليا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا كانوا حاضرين أيضاً في جنيف. ومن المقرر أن يعقد مستشارو الأمن القومي لهذه الدول اجتماعات منفصلة مع الوفدين الأوكراني والأمريكي، مما يؤكد الطبيعة المتعددة الأطراف للجهود الدبلوماسية المبذولة لاحتواء الأزمة. هذه اللقاءات الجانبية تسلط الضوء على الدور المحوري الذي تلعبه الدول الأوروبية في دعم أوكرانيا والسعي لإيجاد حلول دبلوماسية.
رغم التوتر الواضح الذي ساد الجولة الأولى، فإن مجرد عقد هذه المفاوضات يُعد إنجازاً بحد ذاته. ومع استمرار المشاورات الداخلية والتحضير للجولة الثانية، يظل الأمل معلقاً على قدرة الدبلوماسية على تجاوز الخلافات العميقة وتحقيق تقدم ملموس نحو تسوية سلمية تضمن الأمن والاستقرار للجميع في المنطقة.


