حذر تقرير حديث صادر عن منظمة الأمم المتحدة من أن التطور المتسارع في التكنولوجيات الحديثة قد يؤدي إلى اتساع فجوة الفوارق التنموية والاقتصادية بين دول العالم، مسلطاً الضوء على مخاطر الذكاء الاصطناعي المتزايدة في حال غياب إطار تنظيمي دولي موحد. وأشار التقرير إلى أن غياب القواعد المشتركة يهدد بتحويل هذه الطفرة التقنية إلى أداة لتركيز الثروة والنفوذ في أيدي عدد قليل من الدول والشركات الكبرى، مما يحرم دول الجنوب العالمي من الاستفادة العادلة من هذه الثورة الرقمية ويضعف قدرة الحكومات على توجيه مستقبل هذه التكنولوجيا بما يخدم الصالح العام.
السياق التاريخي للثورة الرقمية والفجوة التكنولوجية
تأتي هذه التحذيرات الأممية في وقت يشهد فيه العالم تسارعاً غير مسبوق في تبني تقنيات التوليد الذكي منذ أواخر عام 2022. وتاريخياً، تعيد هذه الفجوة إلى الأذهان “الفجوة الرقمية” التقليدية التي ظهرت مع بداية انتشار الإنترنت في تسعينيات القرن الماضي؛ حيث استغرقت الدول النامية عقوداً للوصول إلى شبكات الاتصال الأساسية. واليوم، يرى الخبراء أن التاريخ يعيد نفسه ولكن بوتيرة أسرع بكثير، حيث تتركز القدرات الحوسبية الفائقة ومراكز البيانات الضخمة في دول الشمال العالمي، وتحديداً في الولايات المتحدة والصين، مما يضع بقية دول العالم في موقع المستهلك التابع تكنولوجياً دون امتلاك سيادة حقيقية على البيانات أو البنية التحتية.
أبعاد وتأثيرات مخاطر الذكاء الاصطناعي على الساحة الدولية
تتجاوز تأثيرات هذه التكنولوجيا الجوانب الاقتصادية لتطال السيادة الوطنية والأمن المجتمعي. وتتجلى مخاطر الذكاء الاصطناعي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي في عدة نقاط محورية:
- التبعية التكنولوجية: اعتماد الدول النامية على نماذج لغوية وحوسبة سحابية أجنبية يحرمها من السيطرة على معاييرها وضماناتها، ويمنعها من تطوير حلول تلائم هويتها الثقافية واحتياجاتها المحلية.
- التهديدات الديمقراطية والأمنية: يسهل استخدام هذه التقنيات في تزييف الحقائق، وتوجيه الرأي العام عبر حملات التضليل الممنهجة، والتلاعب بالعمليات الانتخابية، فضلاً عن تزايد عمليات الاحتيال الرقمي المعقدة.
- الفجوة اللغوية والثقافية: تقدم معظم نماذج الذكاء الاصطناعي التوليدي أداءً ممتازاً باللغة الإنجليزية، بينما تعاني اللغات الأخرى من تهميش واضح. وقد يؤدي هذا الضعف اللغوي إلى كوارث حقيقية، لا سيما في القطاع الصحي؛ حيث رصد التقرير أخطاء ترجمة طبية قاتلة استبدلت عبارة “مضادات حيوية” بـ “مبيدات حشرية” عبر الوريد.
- الأثر البيئي المتزايد: تتطلب مراكز البيانات طاقة هائلة ومصادر مياه ضخمة للتبريد، مما يساهم في زيادة انبعاثات الغازات الدفيئة وتفاقم أزمة الاحتباس الحراري في الدول المستضيفة لهذه المراكز.
رؤية الأمم المتحدة ومستقبل الحوكمة الرقمية
أكد الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أن التطور العلمي أصبح واقعاً ملموساً لا يمكن الالتفاف عليه، داعياً الحكومات إلى التحرك الفوري لإنشاء أطر تنظيمية مرنة. وفي هذا السياق، أشارت الصحفية الحائزة على جائزة نوبل للسلام والرئيسة المشاركة للجنة العلمية، ماريا ريسا، إلى أن مراكز القوة التكنولوجية تزداد تركيزاً يوماً بعد يوم دون وجود كوابح حقيقية تحمي المجتمعات.
وعلى الرغم من الانتقادات التي وجهت للجنة لعدم تقديمها توصيات سياسية ملزمة، أوضحت الهيئة – التي تضم 40 خبيراً مستقلاً – أن دورها يرتكز على تقديم الحقائق العلمية المحايدة لتكون أساساً تبني عليه الحكومات سياساتها خلال الحوارات العالمية المرتقبة في جنيف، بعيداً عن الاستقطاب السياسي.
توصيات عملية لتقليص الفجوة الرقمية
للتخفيف من حدة هذه الفجوة، يطرح التقرير الأممي خريطة طريق للدول الأعضاء تشمل الاستثمار المكثف في البنية التحتية الرقمية المحلية ومراكز البيانات المستدامة بيئياً، إلى جانب دمج مهارات التفكير الرقمي والذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية وسوق العمل. كما يشدد على أهمية دعم المطورين المحليين وتأسيس معاهد وطنية متخصصة في سلامة الأنظمة الذكية ومراقبتها المستمرة بعد طرحها للاستخدام الفعلي. إن تمكين أكثر من ملياري شخص لا يزالون يفتقرون للاتصال بالإنترنت يعد الخطوة الأولى والأساسية لضمان مستقبل رقمي عادل وشامل للجميع.


