spot_img

ذات صلة

الأمم المتحدة: إنفاق عسكري عالمي 2.7 تريليون دولار وتراجع التعاون

في خطاب تاريخي بمناسبة الذكرى الثمانين لأول اجتماع رئيسي للجمعية العامة للأمم المتحدة، أطلق الأمين العام أنطونيو غوتيريش تحذيراً شديداً من «قوى نافذة تتضافر لتقويض التعاون العالمي». جاء هذا التحذير في وقت حرج، حيث يشهد العالم تصاعداً غير مسبوق في التوترات الجيوسياسية وتراجعاً ملحوظاً في التمويل الأمريكي للمنظمة الدولية، مما يضع مستقبل التعددية والقانون الدولي على المحك.

تكتسب كلمة غوتيريش أهمية خاصة كونها أُلقيت في قاعة «ميثوديست سنترال هول» بلندن، المكان ذاته الذي شهد عام 1946 اجتماع ممثلي 51 دولة لوضع أسس منظمة الأمم المتحدة. تأسست الأمم المتحدة على أنقاض حرب عالمية مدمرة، بهدف رئيسي هو صون السلم والأمن الدوليين وتعزيز التعاون بين الدول لحل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والإنسانية. كان أول قرار للجمعية العامة قبل ثمانية عقود يركز على نزع السلاح والقضاء على الأسلحة النووية، تجسيداً لرؤية عالم خالٍ من الحروب. هذه الرؤية النبيلة، التي كانت حلماً بعد ويلات الحرب العالمية الثانية، تبدو اليوم بعيدة المنال في ظل التحديات المعاصرة.

اليوم، يواجه العالم تهديدات لم يكن من الممكن تصورها آنذاك، من بينها أزمة المناخ المتفاقمة والمخاطر المتزايدة في الفضاء السيبراني. وفي مفارقة صارخة، أشار غوتيريش إلى أن الإنفاق العسكري العالمي بلغ 2.7 تريليون دولار في العام الماضي، وهو رقم يفوق 200 ضعف ميزانية المساعدات البريطانية الحالية، ويعادل أكثر من 70% من إجمالي الاقتصاد البريطاني. هذا التوسع الهائل في الاستثمار في التسلح، الذي يشير إلى سباق تسلح جديد تشارك فيه العديد من الدول دون تسمية، يأتي على حساب قضايا حيوية أخرى. فبينما كانت حرارة الكوكب تسجل أرقاماً قياسية، استمرت أرباح الوقود الأحفوري في الارتفاع، وفي الفضاء السيبراني، كافأت الخوارزميات الأكاذيب وأججت الكراهية، ومنحت الأنظمة الاستبدادية أدوات قوية للسيطرة، مما يقوض الديمقراطية ويزيد من حالة عدم اليقين.

إن هذا المستوى غير المسبوق من الإنفاق العسكري لا يمثل مجرد أرقام، بل يعكس تحولاً خطيراً في الأولويات العالمية. فالموارد التي تُضخ في صناعة الأسلحة كان يمكن توجيهها نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة، ومكافحة الفقر، وتوفير الرعاية الصحية والتعليم، والتصدي لتغير المناخ. إن سباق التسلح الجديد لا يهدد فقط بإشعال صراعات جديدة، بل يفاقم أيضاً من التوترات القائمة ويجعل حل النزاعات بالطرق السلمية أكثر صعوبة. إنه يمثل عبئاً اقتصادياً هائلاً على الدول، ويحول دون تحقيق الاستقرار والازدهار الذي تسعى إليه الشعوب.

تتزامن تصريحات غوتيريش مع أزمة تمويل خانقة تواجهها الأمم المتحدة، تعود في جزء كبير منها إلى قرارات اتخذتها الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة دونالد ترمب. فقد أعلنت الولايات المتحدة عن تخصيص نحو ملياري دولار فقط للمساعدات الإنسانية عبر الأمم المتحدة، وهو مبلغ يقل كثيراً عن مساهماتها السابقة بصفتها أكبر ممول للمنظمة. وقد جاء هذا الإعلان مرفقاً بتحذير من وزارة الخارجية الأمريكية بأن على الأمم المتحدة أن «تتكيف أو تنكمش أو تموت»، مع الإشارة إلى فرض شروط على الدول المستفيدة من هذا التمويل. وبعد ذلك بأيام، أعلن ترمب انسحاب الولايات المتحدة من عدد من وكالات الأمم المتحدة، إضافة إلى تخليها عن الاتفاقية الدولية الأساسية الخاصة بالمناخ، مما أثار مخاوف جدية بشأن مستقبل المنظمة ودورها.

يرى خبراء أن هذه التخفيضات ستؤدي إلى نظام مساعدات دولي أصغر وأقل فاعلية، في وقت حذرت فيه الأمم المتحدة نفسها من أن العجز المالي يهدد بشل عمليات حفظ السلام الحيوية في أنحاء مختلفة من العالم، من إفريقيا إلى الشرق الأوسط. إن تقويض قدرة الأمم المتحدة على العمل يعني إضعاف الصوت الوحيد الذي يمثل الإنسانية جمعاء، وتقليص فرص حل النزاعات سلمياً، وتدهور الاستجابة للأزمات الإنسانية. في عالم يزداد ترابطاً وتعقيداً، تظل الأمم المتحدة هي المنصة الأهم للحوار والتنسيق لمواجهة التحديات العابرة للحدود، من الأوبئة إلى الإرهاب وتغير المناخ. إن الدفاع عن التعددية واحترام القانون الدولي، كما دعا غوتيريش، ليس خياراً بل ضرورة حتمية لضمان مستقبل مستقر ومزدهر للجميع.

وعلى الرغم من هذه التحديات الجسيمة، أكد غوتيريش أن الإصلاحات الجارية ستجعل «الأمم المتحدة أكثر مرونة، وأكثر تنسيقاً، وأكثر قدرة على الاستجابة للتحديات العالمية». إن رسالته هي دعوة واضحة للعمل، لتجديد الالتزام بالمبادئ التي تأسست عليها المنظمة، ولإعادة توجيه الموارد نحو بناء السلام والتنمية المستدامة بدلاً من التسلح. فمستقبل التعاون العالمي يعتمد على قدرة الدول على تجاوز خلافاتها والعمل معاً لمواجهة التحديات المشتركة التي تهدد البشرية جمعاء.

spot_imgspot_img