
في خطوة تعكس الاهتمام المتزايد بتوحيد الصف الإسلامي ونبذ الفرقة، احتفى اتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي «يونا» بوثيقة «بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية». جاء ذلك خلال الملتقى الرمضاني الذي نظّمهُ الاتحاد في مدينة جدة، وسط حضور لافت لنخبةٍ من كبار العلماء والمفكرين، إلى جانب ممثلي وكالات الأنباء العربية والإسلامية، وقيادات كبرى المؤسسات الإعلامية في العالم الإسلامي.
إجماع علمائي ورعاية ملكية كريمة
وفي مستهلّ الملتقى، سلط الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي، الشيخ الدكتور محمد بن عبدالكريم العيسى، الضوء على القيمة الاعتبارية والشرعية لهذه الوثيقة، مشيراً إلى الإجماع العُلمائي الكبير الذي حظيت به. وأوضح أن الوثيقة صدرت عن المؤتمر التأسيسي الذي عُقد في رحاب مكة المكرمة خلال شهر رمضان المبارك لعام 1445هـ، وحظيَت برعاية كريمة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وبحضور المفتين وكبار علماء الأُمّة من مختلف المذاهب الإسلامية، مما منحها زخماً دولياً وتأثيراً واسعاً في الأوساط الدينية والفكرية.
وثمّن الدكتور العيسى هذا الاحتفاء النوعي من قبل اتحاد «يونا»، مشيداً بالتنوع العُلمائي والفكري والإعلامي المميز للحضور، والذي يعكس الرغبة المشتركة في تفعيل مضامين الوثيقة على أرض الواقع.
خارطة طريق للإعلام الإسلامي
من جانبه، أكد المدير العام لاتحاد وكالات أنباء دول منظمة التعاون الإسلامي، الأستاذ محمد اليامي، أن هذا الملتقى لا يعد مجرد احتفالية عابرة، بل هو تأكيد على التزام المؤسسات الإعلامية بمضامين هذه الوثيقة التاريخية. وأشار إلى أن الوثيقة التي أمضاها علماء الأمّة بجوار الكعبة المشرفة، تُرسي دعائم خارطة طريق للخطاب الإعلامي المسؤول، وتضع محددات واضحة لكيفية تناول قضايا الداخل الإسلامي، ولا سيما التعاطي الإعلامي الحكيم مع التنوّع المذهبي بعيداً عن لغة التحريض أو الإقصاء.
ولفتَ اليامي إلى أنّ الحضور الكبير للملتقى يعكس ثراء مضامين الوثيقة، بوصفها مرجعية استراتيجية للإعلام الإسلامي في سياق خطاب جامع يُعزّز التضامن، ويُبرز المشتركات الدينية والإنسانية، ويُسهم في جمْع الكلمة، ويدعم الوحدة الإسلامية، ويُرسّخ قِيَم الاعتدال والتقارب بين مكوّنات الأُمّة.
سياق تاريخي وأهمية استراتيجية
وتكتسب وثيقة «بناء الجسور بين المذاهب الإسلامية» أهميتها من كونها جاءت في توقيت دقيق تواجه فيه الأمة الإسلامية تحديات تتطلب نبذ الخلافات المذهبية التي طالما استُغلت لإذكاء الصراعات. وتعد هذه الوثيقة امتداداً لجهود المملكة العربية السعودية ورابطة العالم الإسلامي في تعزيز السلم المجتمعي والدولي، حيث تهدف إلى وقف السجالات الطائفية واستبدالها بحوار حضاري بناء يركز على الثوابت المشتركة.
ويأتي دور الإعلام، الذي يمثله اتحاد «يونا»، كركيزة أساسية في تحويل نصوص هذه الوثيقة إلى ممارسات يومية، من خلال توجيه الرأي العام نحو التسامح وقبول الآخر المذهبي، ومحاربة خطابات الكراهية التي تتغذى على الفروقات الفقهية.
تدشين إصدارات وتكريم المهنية
وعلى هامش الفعاليات، شهد الملتقى تدشين كتاب «وثيقة مكة المكرمة: رسالة الوسطية والتسامح إلى العالم.. حضور عالميّ وتأثير حضاريّ عبر القارات»، وهو ما يربط بين وثيقة مكة (2019) ووثيقة بناء الجسور (2024) في سياق متصل لتعزيز قيم الوسطية. واختتم الملتقى بلمسة وفاء وتقدير، حيث تم تقديم جائزة المهنية الإعلامية لوكالة الأنباء الفلسطينية «وفا»، تقديراً لجهودها في نقل الحقيقة في ظل الظروف الصعبة، وتأكيداً على محورية القضية الفلسطينية في وجدان الإعلام الإسلامي.


